ابن الجوزي
345
صيد الخاطر
واعجبا أو ما تقتضي العقول بوجوب طاعة الحكيم الذي يعجز عن معرفة حكم مخلوقاته ؟ فكيف يعارضه في أفعاله ؟ نعوذ باللّه من الخذلان . 307 - يجب على من يعظ السلطان أن يتلطف به ينبغي لمن وعظ سلطانا أن يبالغ في التلطف ولا يواجهه بما يقتضي أنه ظالم ، فان السلاطين حظهم التفرد بالقهر والغلبة فإذا جرى نوع توبيخ لهم كان اذلالا وهم لا يحتملون ذلك . وانما ينبغي أن يمزج وعظه بذكر شرف الولاية ، وحصول الثواب في رعاية الرعايا ، وذكر سير العادلين من أسلافهم . ثم لينظر الواعظ في حال الموعوظ قبل وعظه ، فان كانت سيرته حميدة كما كان منصور بن عمار وغيره يعظون الرشيد وهو يبكي . وقصده الخير زاد في وعظه ووصيته . وان رآه ظالما لا يلتفت إلى الخير ، وقد غلب عليه الجهل ، اجتهد في أن لا يراه ولا يعظه لأنه ان وعظه خاطر بنفسه ، وان مدحه كان مداهنا ، فان اضطر إلى موعظته كانت كالإشارة . وقد كان أقوام من السلاطين يلينون عند الموعظة ويحتملون الواعظين . حتى أنه قد كان المنصور يواجه بأنك ظالم فيصبر . وقد تغير الزمان ، وفسد أكثر الولاة وداهنهم العلماء ، ومن لا يداهن لا يجد قبولا للصواب فيسكت . وقد كانت الولايات لا يسألها إلا من أحكمته العلوم ، وثقفته التجارب ، فصار أكثر الولاة يتساوون في الجهل فتأتي الولاية على من ليس من أهلها . ومثل هؤلاء ينبغي الحذر منهم والبعد عنهم . فمن ابتلي بوعظهم فليكن على غاية التحرز فيما يقول ، ولا ينبغي أن يغتر بقولهم : عظنا . فإنه لو قال كلمة لا توافق أغراضهم ثارت حراراتهم . وليحذر مذكر السلطان أن يعرّض له بأرباب الولايات فإنهم إذا سمعوا بذلك صار الواعظ مقصودا لهم بالاهلاك خوفا من أن يعتبر السلطان أحوالهم فتفسد أمورهم . والبعد في هذا الزمان عنهم أصلح ، والسكوت عن المواعظ لهم أسلم ، فمن اضطر تلطف غاية التلطف ، وجعل وعظه للعوام وهم يسمعون ولا يعيّنهم منه بشيء . واللّه الموفق .