ابن الجوزي
343
صيد الخاطر
وأعظم ما عنده أنه يتخايل دوام البقاء في الجنة ، وان بقاءه لا ينقطع ولا يزول ولا يعتريه نغصة ، فيكاد إذا تخايل نفسه متقلبا في تلك اللذات الدائمة التي لا تفنى يطيش فرحا ويسهل عليه ما في الطريق إليها من ألم ومرض ، وابتلاء ، وفقد محبوب ، وهجوم الموت ، ومعالجة غصصه ، فان المشتاق إلى الكعبة يهون عليه رمل زرود ، والتائق إلى العافية لا يبالي بمرارة الدواء ، ويعلم أن جودة الثمر ثم ، على مقدار جودة البذر هاهنا ، فهو يتخير الأجود ، ويغتنم الزرع في تشرين العمر من غير فتور . ثم يتخايل المؤمن دخول النار والعقوبة فيتنغص عيشه ويقوى قلقه ، فعنده بالحالين شغل عن الدنيا وما فيها ، فقلبه هائم في بيداء الشوق تارة وفي صحراء الخوف أخرى ، فما يرى البنيان ، فإذا نازله الموت قوى ظنّه الملائكة بالسلامة ، ورجا لنفسه النجاة فيهون عليه ، فإذا نزل إلى القبر وجاءه الملائكة يسألونه ، قال بعضهم لبعض : دعوه فما استراح الا الساعة . نسأل اللّه عز وجل يقظة تامة تحركنا إلى طلب الفضائل ، وتمنعنا من اختيار الرذائل ، فإنه ان وفق ، والا فلا نافع . 305 - لا يختار اللّه عز وجل لمحبته الا الكاملين لقد اعتبرت على مولاي سبحانه وتعالى أمرا عجيبا وهو أنه تعالى لا يختار لمحبته والقرب منه الا الكامل صورة ومعنى . ولست أعني حسن التخاطيط وانما كمال الصورة اعتدالها ، والمعتدلة ما تخلو من حسن ، فتتبعها حسن الصورة الباطنة ، وهو كمال الاخلاق وزوال الأكدار ، ولا يرى في باطنه خبثا ولا كدرا ، بل قد حسن باطنه كما حسن ظاهره . وقد كان موسى عليه السلام كل من رآه يحبه . وكان نبينا صلّى اللّه عليه وسلم كالقمر ليلة البدر . وقد يكون الولي أسود اللون ، لكنه حسن الصورة لطيف المعاني . فعلى قدر ما عند الانسان من التمام في كمال الخلق والخلق ، يكون عمله « 1 » ، ويكون تقريبه إلى الحضرة بحسب ذلك . فمنهم كالخادم على الباب ، ومنهم حاجب ، ومنهم مقرب ، ويندر من يتم له الكمال . ولعله لا يوجد في مائة سنة منهم غير واحد .
--> ( 1 ) مر من المؤلف هذا المعنى . وهو حكم لا يصح اطلاقه بدليل من النقل ولا من العقل .