ابن الجوزي

342

صيد الخاطر

وقد جاء في الحديث : الأسواق تلهي وتلغي « 1 » فمن قدر على الحمية النافعة واضطر إلى المخالطة والكسب للعائلة ، فليحترز احتراز الماشي في الشوك . وبعيد سلامته . 303 - وجوب الورع عن الشبهات لتبقى لذة التقوى من رزق قلبا طيبا ولذة مناجاة فليراع حاله وليحذر من التغير ، وإنما تدوم له حاله بدوام التقوى . وكنت قد رزقت قلبا طيبا ، ومناجاة خلوة ، فأحضرني بعض أرباب المناصب إلى طعامه ، فما أمكن خلافه ، فتناولت وأكلت منه فلقيت الشدائد ، ورأيت العقوبة في الحال ، واستمرت مدة ، وغضبت على قلبي « 2 » ، وفقدت كل ما كنت أجده فقلت : واعجبا كنت في هذا كالمكره . فتفكرت ، وإذا به قد يمكن مداراة الامر بلقيمات يسيرة . وإنما التأويل تناول بشهوة أكثر مما يدفع المداراة . فقالت النفس : ومن أين لي أن عين هذا حرام ؟ فقالت اليقظة : وأين الورع عن الشبهات ؟ فلما تناولت بالتأويل لقمة استجلبتها بالطبع فلقد لقيت الأمرين بفقد القلب . فاعتبروا يا أولي الأبصار . 304 - المؤمن دائم اليقظة همة المؤمن متعلقة بالآخرة فكل ما في الدنيا يحركه إلى ذكر الآخرة . وكل من شغله شيء فهمته شغله . ألا ترى أنه لو دخل أرباب الصنائع إلى دار معمورة رأيت البزاز ينظر إلى الفرش ويحزر قيمته ، والنجار إلى السقف ، والبنّاء إلى الحيطان ، والحائك إلى نسج الثياب . والمؤمن إذا رأى ظلمة ذكر ظلمة القبر . وان رأى مؤلما ذكر العقاب . وان سمع صوتا فظيعا ذكر نفخة الصور . وان رأى الناس نياما ذكر الموتى في القبور . وان رأى لذة ذكر الجنة فهمته متعلقة بما ثمّ وذلك يشغله عن كل ماتم .

--> ( 1 ) راجع « ثبت الأحاديث » وتعليق الأستاذ الشيخ ناصر الألباني عليها . ( 2 ) كذا وفي الجملة تحريف .