ابن الجوزي
341
صيد الخاطر
301 - التفكير في عظمة الخالق تسبيح المتيقظين تأملت على أكثر الناس « 1 » عباداتهم فإذا هي عادات . فأما أرباب اليقظة فعادتهم عبادة حقيقة . فان الغافل يقول ( سبحان اللّه ) عادة والمتيقظ لا يزال فكره في عجايب المخلوقات أو في عظمة الخالق ، فيحركه الفكر في ذلك فيقول : سبحان اللّه . ولو أن انسانا تفكر في رمانة فنظر في تصفيف حبها وحفظه بالاغشية لئلا يتضاءل ، وإقامة الماء على عظم العجم « 2 » ، وجعل الغشاء عليه يحفظه . وتصوير الفرخ في بطن البيضة ، والآدمي في حشا الأم ، إلى غير ذلك من المخلوقات ، أزعجه « 3 » هذا الفكر إلى تعظيم الخالق ، فقال ، سبحان اللّه ، وكان هذا التسبيح ثمرة الفكر . فهذا تسبيح المتيقظين . وما تزال أفكارهم تجول فتقع عباداتهم بالتسبيحات محققة . وكذلك يتفكرون في قبائح ذنوب قد تقدمت فيوجب ذلك الفكر حركة الباطن وقلق القلب وندم النفس ، فيثمر ذلك أن يقول قائلهم : أستغفر اللّه ، فهذا هو التسبيح والاستغفار . فأما الغافلون فيقولون ذلك عادة وشتان ما بين الفريقين . 302 - مخالطة الناس تظلم القلب لا يصفو التعبد والتزهد والاشتغال بالآخرة إلا بالانقطاع الكلي عن الخلق ، بحيث لا يبصرهم ولا يسمع كلامهم إلا في وقت ضرورة كصلاة جمعة أو جماعة « 4 » . ويحترز في تلك الساعات منهم . وإن كان عالما يريد نفعهم وعدهم وقتا معروفا واحترز في الكلام . وأما من يمشي في الأسواق اليوم ويبيع ويشتري مع هذا العالم المظلم ، ويرى المنكرات والمستهجنات فما يعود إلى البيت إلا وقد أظلم القلب . فلا ينبغي للمريد أن يكون خروجه إلا إلى الصحراء والمقابر . وقد كان جماعة من السلف يبيعون ويشترون ويحترزون ، ومع هذا ما صفا لصافيهم وقت حتى قاطع الخلق . قال أبو الدرداء : زاولت العبادة والتجارة فلم يجتمعا فاخترت العبادة .
--> ( 1 ) تأمل على كذا من غير الفصيح . ( 2 ) العجم « بفتح الجيم » النوى والبذر . ( 3 ) أي دفعه . ( 4 ) مر من كلامه ما يقبح فيه الذي يحسنه هنا .