ابن الجوزي

340

صيد الخاطر

ولما تعامى الدهر وهو أبو الردى * عن الرشد في انحائه ومقاصده تعاميت حتى قيل أخو عمى * ولا غرو أن يحذو الفتى حذو والده وقد رأيت خلقا يعتقدون أنهم فقهاء وفهماء ولا يتحاشون من هذا . وهؤلاء إنما أرادوا بالدهر مرور الزمان ، فذاك لا اختيار له ولا مراد ولا يعرف رشدا من ضلال ، ولا ينبغي أن يلام ، فإنه زمان مدبّر لا مدبّر فيتصرف فيه ولا يتصرف . وما يظن بعاقل أنه يشير إلى أن المذموم المعرض عن الرشد السيئ الحكم هو الزمان . فلم يبق الا أن القوم خرجوا عن ربقة الاسلام ، ونسبوا هذه القبائح إلى الصانع ، فاعتقدوا فيه قصور الحكمة وفعل ما لا يصح ، كما اعتقده إبليس في تفضيل آدم . وهؤلاء لا ينفعهم مع هذا اعتقاد اسلام ولا فعل صلاة ، بل هم شر من الكفار ، لا أصلح لهم شأنا ، ولا هداهم إلى رشاد . 299 - اغتنم ساعات عمرك من عجائب ما أرى من نفسي ومن الخلق كلهم الميل إلى الغفلة عما في أيدينا من العلم بقصر العمر ، وان زيادة الثواب هناك بقدر العمل هاهنا . فيا قصير العمر اغتنم يومي منى ، وانتظر ساعة النّفر ، وإياك أن تشغل قلبك بغير ما خلق له ، واحمل نفسك على المر واقمعها إذا أبت ، ولا تسرح لها في الطّول « 1 » ، فما أنت إلا في مرعى ، وقبيح بمن كان بين الصفين « 2 » إذا تشاغل بغير ما هو فيه . 300 - احفظ سرك واحترز من الناس قد كررت هذا المعنى في هذا الكتاب . وهو الامر بحفظ السر والحذر من الانبساط فيما لا يصلح بين يدي الناس . فرب منبسط بين يدي من يظنه صديقا يقول في صديق أو في سلطان لا يتهم في ذلك فيكون سبب هلاك ذاك . فأوصي السليم الصدر الذي يظن في الناس الخير أن يحترز من الناس ، وأن لا يقول في الخلق كلمة لا تصلح للخلق . ولا يغتر بمن يظهر الصداقة أو التدين فقد عم الخبث .

--> ( 1 ) أي لا تمد لها الرسن . ( 2 ) أي في ساحة المعركة .