ابن الجوزي

326

صيد الخاطر

أن يرد المال اليه فلا يفعل . فمرض الولد وأشفى « 1 » فجعل الأب يتضرع اليه ويقول : ويحك خصصتك بالمال دونهم فتموت ويذهب المال ، ويحك لا تفعل ، فما زال به حتى أخبره بمكانه ، فأخذه . ثم عوفي الولد ومضت مدة فمرض الأب ، فاجتهد الولد أن يخبره بمكان المال وبالغ فلم يخبره ومات وضاع المال . فسبحان من أعدم هؤلاء العقول والفهوم . إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا . 286 - الفرق بين المعارف والأصدقاء كان لنا أصدقاء واخوان أعتد بهم . فرأيت منهم من الجفاء وترك شروط الصداقة والاخوة عجائب فأخذت أعتب ، ثم انتبهت لنفسي فقلت : وما ينفع العتاب ، فإنهم إن صلحوا فللعتاب لا للصفا فهممت بمقاطعتهم ، ثم تفكرت فرأيت الناس بين معارف وأصدقاء في الظاهر واخوة مباطنين ، فقلت : لا تصلح مقاطعتهم ، انما ينبغي أن تنقلهم من ديوان الاخوة إلى ديوان الصداقة الظاهرة ، فإن لم يصلحوا لها نقلتهم إلى جملة المعارف ، وعاملتهم معاملة المعارف ، ومن الغلط أن تعاتبهم ، فقد قال يحيى بن معاذ : بئس الأخ أخ تحتاج أن تقول له اذكرني في دعائك . وجمهور الناس اليوم معارف ويندر فيهم صديق في الظاهر أما الاخوّة والمصافاة فذاك شيء نسخ فلا يطمع فيه . وما أرى الانسان يصفو له أخوة من النسب ولا ولده ولا زوجته ، فدع الطمع في الصفا ، وخذ عن الكل جانبا ، وعاملهم معاملة الغرباء . وإياك أن تنخدع بمن يظهر لك الود ، فإنه مع الزمان يبين لك الحال فيما أظهره وربما أظهر لك ذلك لسبب يناله منك ، وقد قال الفضيل بن عياض : « إذا أردت أن تصادق صديقا فأغضبه فان رأيته كما ينبغي فصادقه » . وهذا اليوم مخاطرة ، لأنك إذا أغضبت أحدا صار عدوا في الحال . والسبب في نسخ حكم

--> ( 1 ) أي اشرف على الموت .