ابن الجوزي

327

صيد الخاطر

الصفا ، ان السلف كانت همتهم الآخرة وحدها فصفت نياتهم في الاخوة والمخالطة فكانت دينا لا دنيا . والآن فقد استولى حب الدنيا على القلوب ، فإن رأيت متملقا في باب الدين فأخبر تقله « 1 » . 287 - المتزوج الذي يتعلق بامرأة أخرى رأيت المعافى لا يعرف قدر العافية إلا في المرض . كما لا يعرف شكر الاطلاق إلا في الحبس . وتأملت على الآدمي حالة عجيبة . وهو أن يكون معه امرأة لا بأس بها إلا أن قلبه لا يتعلق بمحبتها تعلقا يلتذ به ، ولذلك سببان : أحدهما أن تكون غير غاية في الحسن . والثاني أن كل مملوك مكروه ، والنفس تطلب ما لا تقدر عليه ، فتراه يضج ويشتهي شيئا يحبه أو امرأة يعشقها ، ولا يدري أنه انما يطلب قيدا وثيقا يمنع القلب من التصرف في أمور الآخرة ، أو في علم أو عمل ، ويخبطه في تصرف الدنيا ، فيبقى ذلك العاشق أسير المعشوق ، همه كله معه فالعجب لمطلق يؤثر القيد . ومستريح يؤثر التعب . فان كانت تلك المرأة تحتاج أن تحفظ « 2 » فالويل له لا قرار له ولا سكون . وان كانت من المتبرجات اللواتي لا يؤمن فسادهن فذاك هلاكه بمرة ، فلا هو ان نام يتلذذ بنومة ، ولا ان خرج من الدار يأمن من محنة . وان كانت تريد نفقة واسعة وليس له ، فكم يدخل مدخل سوء لأجلها . وان كانت تؤثر الجماع وقد علت سنه فذاك الهلاك العظيم . وان كانت تبغضه فما بقيت من أسباب تلفه بقية فيكون هذا ساعيا في تلف نفسه كما قال القائل : نحب القدود ونهوى الخدود * ونعلم أنا نحب المنونا وهذا على الحقيقة كعابد صنم . فليتق اللّه من عنده امرأة لا بأس بها وليعرض عن حديث النفس ومناها فما له منتهى .

--> ( 1 ) أي اختبره تبغضه ، من القلى الذي هو البغض . وهو مثل من أمثال العرب . ( 2 ) أي أن تراقب وتحرس .