ابن الجوزي
325
صيد الخاطر
وصببت عليها الماء وحركتها ، فأخرجت ثمانين دينارا أو نحوها كانت قد ابتلعتها . وحكى لي صديق لنا ، أن رجلا مات ودفن في الدار ، ثم نبش بعد مدة ليخرج فوجد تحت رأسه لبنة مقيّرة « 1 » فسئل أهله عنها فقالوا : هو قيّر هذه اللبنة وأوصى أن تترك تحت رأسه في قبره وقال : ان اللبن يبلى سريعا وهذه لموضع القار لا تبلى . فأخذوها فوجدوها رزينة « 2 » فكسروها فوجدوا فيها تسعمائة دينار فتولاها أصحاب التركات . وبلغني أن رجلا كان يكنس المساجد ويجمع ترابها ثم ضربه لبنا فقيل له : هذا لأي شيء ؟ فقال : هذا تراب مبارك ، وأريد أن يجعلوه في لحدي . فلما مات جعل في لحده ، ففضل منه لبنات ، فرموها في البيت ، فجاء المطر فتفسخت اللبنات فإذا فيها دنانير ، فمضوا وكشفوا اللبن عن لحده وكله مملوء دنانير . ولقد مات بعض أصدقائنا وكنت أعلم له مالا كثيرا ، وطال مرضه فما أطلع أهله على شيء ولا أكاد أشك أنه من شحه وحرصه على الحياة ورجائه أن يبقى لم يعلمهم بمدفونه خوفا أن يؤخذ فيحيا هو وقد أخذ المال . وما يكون بعد هذا الخزي شيء . وحدثني بعض أصحابنا عن حالة شاهدها من هذا الفن . قال : كان فلان له ولدان ذكران وبنت وله ألف دينار مدفونة فمرض مرضا شديدا فاحتوشته أهله ، فقال لأحد ابنيه : لا تبرح من عندي . فلما خلا به قال له : إن أخاك مشغول باللعب بالطيور ، وان أختك لها زوج تركي ، ومتى وصل من مالي اليهما شيء أنفقوه في اللعب ، وأنت على سيرتي وأخلاقي ، ولي في الموضع الفلاني ألف دينار ، فإذا أنا مت فخذها وحدك . فاشتد بالرجل المرض فمضى الولد فأخذ المال فعوفي الأب ، فجعل يسأل الولد
--> ( 1 ) مدهونة بالقار وهو القطران « مزفتة » . ( 2 ) أي ثقيلة .