ابن الجوزي

322

صيد الخاطر

التشبيه ، فالاحتراز من العقل بالعقل هو أن ينظر فيعلم أنه لا يجوز أن يكون جسما ولا شبها لشيء . وإذا نظر العاقل إلى أفعال الباري سبحانه رأى أشياء لا يقتضيها العقل ، مثل الآلام ، والذبح للحيوان ، وتسليط الأعداء على الأولياء مع القدرة على المنع ، والابتلاء بالمجاعة للصالحين ، والمعاقبة على الذنب بعد البعد بزلة ، وأشياء كثيرة من هذا الجنس يعرضها العقل على العادات في تدبيره فيرى أنه لا حكمة تظهر له فيها . فالاحتراز من العقل به أن يقال له : أليس قد ثبت عندك أنه مالك وأنه حكيم وأنه لا يفعل شيئا عبثا ؟ فيقول بلى . فيقال : فنحن نحترز من تدبيرك الثاني بما ثبت عندك في الأول ، فلم يبق إلا أنه خفي عليك وجه الحكمة في فعله ، فيجب التسليم له ، لعلمنا أنه حكيم . حينئذ يذعن ويقول : قد سلمت . وكثير من الخلق نظروا لمقتضى واقع العقل الأول فاعترضوا . حتى أن العامي يقول : كيف قضى عليّ سوء عاقبتي ، ولم ضيق رزقي ، وما وجه الحكمة في ابتلائي بفنون البلاء ؟ ولو أنه تلمح أنه مالك حكيم لم يبق إلا التسليم لما خفي . ولقد أنس ببديهة العقل خلق من الأكابر أولهم إبليس « 1 » ، فإنه اعتقد تفضيل النار على الطين ، فاعترض . ورأينا خلقا ممن نسب إلى العلم قد زلوا في هذا واعترضوا ورأوا أن كثيرا من الافعال لا حكمة تحتها . والسبب ما ذكرنا ، وهو الأنس بنظر العقل في البديهة والعادات ، والقياس على أفعال المخلوقين ، ولو استخرجوا علم العقل الباطن « 2 » ، وهو أنه قد ثبت الكمال للخالق ، وانتفت عنه النقائص وعلم أنه حكيم لا يعبث ، لبقي التسليم لما لا يعقل . واعتبر هذا بحال الخضر وموسى عليهما السلام فإنه لما فعل الخضر أشياء تخرج عن العادات ، أنكر موسى ونسي إعلامه له بأني أنظر فيما لا تعلمه من العواقب . فإذا خفيت مصلحة العواقب على موسى عليه السلام مع مخلوق ، فأولى أن يخفى علينا كثير من حكمة الحكيم .

--> ( 1 ) إبليس من الأكابر ؟ ! ( 2 ) الباطن صفة لعلم .