ابن الجوزي

323

صيد الخاطر

وهذا أصل ان لم يثبت عند الانسان أخرجه إلى الاعتراض والكفر ، وان ثبت استراح عند نزول كل آفة . 284 - مناجاة بلغني عن بعض الكرماء أن رجلا سأله فقال أنا الذي أحسنت إليك يوم كذا وكذا . فقال : مرحبا بمن يتوسل الينا بنا . ثم قضى حاجته . فأخذت من ذلك إشارة فناجيت بها فقلت : أنت الذي هديته من زمن الطفولة ، وحفظته من الضلال ، وعصمته عن كثير من الذنوب ، وألهمته طلب العلم لا بفهم لشرفه ، لموضع الصغر ، ولا بحب والده . ورزقته فهما لتفقهه وتصنيفه ، وهيأت له أسباب جمعه ، وقمت برزقه من غير تعب منه ، ولا ذل للخلق بالسؤال ، وحاميت عنه الأعداء ، فلم يقصده جبار ، وجمعت له ما لم يجمع لأكثر الخلق من فنون العلم التي لا تكاد تجتمع في شخص ، وأضفت إليها تعلق القلب بمعرفتك ومحبتك ، وحسن العبادة ، ولطفها في الدلالة عليك ، ووضعت له في القلوب القبول ، حتى أن الخلق يقبلون عليه ويقبلون ما يقوله ، ولا يشكون فيه ، ويشتاقون إلى كلامه ، ولا يدركهم الملل منه ، وصنته بالعزلة عن مخالطة من لا يصلح . وآنسته في خلوته بالعلم تارة وبمناجاتك أخرى . وان ذهبت أعد لم أقدر على احصاء عشير العشير « وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها » فيا محسنا إلي قبل أن أطلب لا تخيب أملي فيك وأنا أطلب . فبإنعامك المتقدم أتوسل إليك . 285 - قصص عن البخلاء سبحان من جعل الخلق بين طرفي نقيض والمتوسط منهم يندر . منهم من يغضب فيقتل ويضرب . ومنهم من هو أبله أو قوي الحلم لا يؤثر عنده السب . ومنهم شره يتناول كلما يشتهي . ومنهم متزهد يتجفف فيمنع النفس حقها . وكذلك سائر الأشياء المحمود منها التوسط فالمنفق كل ما يجد مبذر يخبئ المال ويمنع نفسه حظها . ومعلوم أن المال لا يراد لنفسه بل للمصالح ، فإذا بذر الانسان فيه احتاج إلى بذل وجهه ودينه ومنة البخلاء عليه ، وهذا لا يصلح . ولأن يخلف الانسان لعدوه أحسن من أن يحتاج إلى صديقه .