ابن الجوزي
311
صيد الخاطر
في المعنى ، ولا نوم بهذه الصورة ، فإذا أصبحوا سعوا في تحصيل شهواتهم بحرص خنزير ، وتبصيص كلب ، وافتراس أسد ، وغارة ذئب ، وروغان ثعلب ، ويتأسفون عند الموت على فقد الهوى ، لا على عدم التقوى . ذلك مبلغهم من العلم . كيف يفلح من يؤثر ما يراه بعينه على ما يبصره بعقله ؟ وما يدركه ببصره أعز عنده مما يراه ببصيرته . تاللّه لو فتحوا أسماعهم لسمعوا هاتف الرحيل في زمان الإقامة يصيح في عرصات الدنيا : تلمحوا تقويض خيام الأوائل . لكن غمرهم سكر الجهالة ، فلم يفيقوا الا بضرب الحد . 267 - المال الحرام رأيت بعض المتقدمين سئل عمن يكتسب حلالا وحراما من السلاطين والأمراء ثم يبني المساجد والأربطة ، هل له فيها ثواب ؟ فأفتى بما يوجب طيب قلب المنفق ، وان له في انفاق ما لا يملكه نوع سمسرة ، لأنه لا يعرف أعيان المغصوبين فيرد . فقلت : وا عجبا من متصدين للفتوى لا يعرفون أصول الشريعة . ينبغي أن ينظر في حال هذا المنفق أولا ، فإن كان سلطانا فما يخرج من بيت المال قد عرفت وجوه مصارفه ، فكيف يمنع مستحقه ويشغله بما لا يفيد من بناء مدرسة ورباط ؟ وان كان المنفق من الامراء ونواب السلاطين ، فإنه يجب أن يرد ما يجب رده إلى بيت المال ، وليس له فيه الا ما فرض من ايجاب يليق به ، فان تصرف في غير ذلك كان مصروفا فيما ليس له ، ولو أذن له كان الاذن جائزا . وان كان قد أقطع ما لا يقاوم عمله « 1 » كان ما يأخذه فاضلا من أموال المسلمين لا حق له فيه ، وعلى من أطلقه في ذلك اثم أيضا ، هذا إذا سلم المال وكان من حله . فأما إذا كان حراما أو غصبا فكل تصرف فيه حرام ، والواجب رده على من أخذ منه أو على ورثتهم . فإن لم يعرف طريق الرد كان في بيت مال المسلمين يصرف في مصالحهم ، أو يصرف في الصدقة ، ولم يحظ آخذه بغير الإثم . أنبأنا أحمد بن الحسن بن البنا قال أخبرنا محمد بن علي الزجاجي قال أخبرنا عبد اللّه بن محمد الأسدي قال أخبرنا
--> ( 1 ) كذا .