ابن الجوزي

312

صيد الخاطر

علي بن الحسن قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن عون الطائي قال حدثنا أبو المغيرة قال حدثنا الأوزاعي قال حدثني موسى بن سليمان قال سمعت القاسم بن مخيمرة يقول قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : من اكتسب مالا من مأثم ، فوصل رحما ، أو تصدق به ، أو أنفقه في سبيل اللّه جمع ذلك جميعا فقذف به في جهنم . فأما إذا كان الباني تاجرا مكتسبا للحلال فبنى مسجدا أو وقف وقفا للمتفقهة ، فهذا مما يثاب عليه . ويبعد من يكتسب الحلال حتى يفضل عنه هذا المقدار ، ويخرج الزكاة مستقصاة ، ثم يطيب قلبه بمثل هذا البناء والنفقة . إذ مثل هذا البنيان لا يجوز أن يكون من زكاة . وأين سلامة النية وخلوص المقصد ؟ وان بناء المدارس اليوم مخاطرة ، إذ قد انعكف أكثر المتفقهة على علم الجدل ، وأعرضوا عن علوم الشريعة ، وتركوا التردد إلى المساجد ، وقنعوا بالمدارس والألقاب . وأما بناء الأربطة « 1 » فليس بشيء أصلا ، لأن جمهور المتصوفة جلوس على بساط الجهل والكسل ، ثم يدعي مدعيهم المحبة والقرب ، ويكره التشاغل والعمل ، وقد تركوا سيرة سريّ « 2 » وعادات الجنيد ، واقتنعوا بأداء الفرائض ، ورضوا بالمرقعات ، فلا تحسن اعانتهم على بطالتهم وراحتهم ، ولا ثواب في ذلك . 268 - اخلاص القلب وذم الرياء عجبت لمن يتصنع للناس بالزهد يرجو بذلك قربه من قلوبهم ، وينسى أن قلوبهم بيد من يعمل له ، وان لم يره خالصا أعرض بها عنه . ومتى نظر العامل إلى التفات القلوب اليه فقد زاحم الشرك « 3 » ، لأنه ينبغي أن يقنع بنظر من يعمل له ، ومن ضرورة الاخلاص إلفات القلوب اليه ، فذاك يحصل لا بقصده بل بكراهته لذلك « 4 » . وليعلم الانسان أن أعماله كلها يعلمها الحق جملة ، وإن لم يطلعوا عليها . فالقلوب تشهد للصلاح وان لم يشاهد منه ذلك . فأما من يقصد رؤية الخلق بعمله فقد مضى العمل ضائعا ، لأنه غير مقبول عند الخلق ، لان قلوبهم قد لفتت عنه ، فقد ضاع العمل ، وذهب العمر .

--> ( 1 ) أي التكايا ونحوها . ( 2 ) أي السقطي . ( 3 ) يريد : قارب الشرك . على أنه ليس في ذلك شرك ، ولكن فيه نوع رياء . ( 4 ) الاسلام دين الفطرة ، ومن فطرة الانسان حب الثناء . والمطلوب ألا يكون ذلك قصده كله ، بل يكون مقصده الأول رضا اللّه وثوابه .