ابن الجوزي
310
صيد الخاطر
265 - صفة أولياء اللّه تأملت الذين يختارهم الحق عز وجل لولايته والقرب منه . فقد سمعنا أوصافهم ، ومن نظنه منهم ممن رأيناه ، فوجدته سبحانه لا يختار الا شخصا كامل الصورة ، لا عيب في صورته ، ولا نقص في خلقته ، فتراه حسن الوجه ، معتدل القامة ، سليما من آفة في بدنه . ثم يكون كاملا في باطنه ، سخيا جوادا عاقلا غير خبّ ولا خادع ، ولا حقود ولا حسود ، ولا فيه عيب من عيوب الباطن ، فذاك الذي يربيه من صغره فتراه في الطفولة معتزلا عن الصبيان ، كأنه في الصبا شيخ ينبو عن الرذائل ويفزع من النقائص ، ثم لا تزال شجرة همته تنمو حتى يرى ثمرها متهدلا على أغصان الشباب ، فهو حريص على العلم ، منكمش على العمل ، محافظ للزمان ، مراع للأوقات ، ساع في طلب الفضائل ، خائف من النقائص ، ولو رأيت التوفيق والالهام الرباني كيف يأخذ بيده ان عثر ، ويمنعه من الخطأ إن همّ ، ويستخدمه في الفضائل ، ويستر عمله عنه حتى لا يراه منه . ثم ينقسم هؤلاء . فمنهم من تفقه على قدم الزهد والتعبد ، ومنهم من تفقه على العلم واتباع السنة . ويندر منهم من يجمع له الكل ويرقيه إلى مزاحمة الكاملين . وعلامة اثبات الكمال في العلم والعمل ، الاقبال بالكلية على معاملة الحق ومحبته واستيعاب الفضائل كلها ، فلو تصورت النبوة أن تكتسب لدخلت في كسبه . ومراتب هذا لا يحتملها الوصف ، لكونه درة الوجود ، التي لا تكاد تنعقد في الصّدف الا في كل ودود . نسأل اللّه عز وجل توفيقنا لمراضيه وقربه . ونعوذ به من طرده وابعاده . 266 - أكثر الناس في غفلة عن الآخرة أكثر الخلائق على طبع ردي لا تقومه الرياضة . لا يدرون لم خلقوا ولا المراد منهم . وغاية همتهم حصول بغيتهم من أغراضهم . ولا يسألون عند نيلها ما اجتلبت لهم من ذم . يبذلون العرض دون الغرض ، ويؤثرون لذة ساعة ، وان اجتلبت زمان مرض ، يلبسون عند التجارات ثياب محتال ، في شعار مختال ، ويلبّسون في المعاملات ، ويسترون الحال . ان كسبوا فشبهة ، وان أكلوا فشهوة ، ينامون الليل وان كانوا نياما بالنهار