ابن الجوزي

309

صيد الخاطر

فلما كان الليل عاد اليه ، وقال له : لما ذا شهرتني بين الناس ؟ فأنا ما فعلت ذلك لأجل الخلق ، فخذه ، ولا تذكرني : ماتوا وغيّب في التراب شخوصهم * والنشر مسك والعظام رميم فالبعد البعد عمّن همته الدنيا ، فان زاد همّ اليوم إلى أن يحصل أقرب منه إلى أن يؤثر . ولا تكاد ترى إلا عدوا في الباطن ، صديقا في الظاهر ، شامتا بباطنه حسودا على نعمته . فاشتر العزلة بما بيعت ، فإن من له قلب إذا مشى في الأسواق وعاد إلى منزله تغير قلبه ، فكيف ان عرقله بالميل إلى أسباب الدنيا ، واجتهد في جمع الهم بالبعد عن الخلق ليخلو القلب بالتفكر في المآب . وتتلمح عين البصيرة خيم الرحيل . 264 - على المريد أن يزور القبور ولا يخالط البطالين كان المريد في بداية الزمان إذا أظلم قلبه أو مرض لبه قصد زيادة بعض الصالحين فانجلى ما أظلم . واليوم متى حصلت ذرة من الصدق لمريد فردته في بيت عزلة ، ووجد نسيما من روح العافية ، ونورا في باطن قلبه ، وكاد همه يجتمع وشتاته ينتظم ، فخرج فلقي من يومأ اليه بعلم أو زهد رئي عند البطالين وهو يجري معهم مسلك الهذيان الذي لا ينفع ، ورأى صورته صورة منمّس « 1 » ، وأهون ما عليه تضييع الأوقات في الحديث الفارغ ، فما يرجع المريد عن ذلك الوطن الا وقد اكتسب ظلمة في القلب وشتاتا في العزم ، وغفلة عن ذكر الآخرة ، فيعود مريض القلب ، يتعب في معالجته أياما كثيرة حتى يعود إلى ما كان فيه ، وربما لم يعد لأن المريد فيه ضعف ، فإذا رأى شيخا قد جرب وعرف ثم يؤثر البطالة ، لم يأمن أن يتبعه الطبع . فالأولى للمريد اليوم أن لا يزور إلا المقابر ، ولا يفاوض إلا الكتب ، التي قد حوت محاسن القوم ، وليستعن باللّه تعالى على التوفيق لمراضيه ، فإنه ان أراده هيأه لما يرضيه .

--> ( 1 ) أي ملبس « مدجل » .