ابن الجوزي

308

صيد الخاطر

263 - نصائح لطالب العلم الفقير هيهات أن يجتمع الهم مع التلبس بأمور الدنيا خصوصا الشاب الفقير الذي قد ألف الفقر ، فإنه إذا تزوج وليس له شيء من الدنيا اهتم بالكسب ، أو بالطلب من الناس فتشتّتت همته ، وجاءه الأولاد فزاد الامر عليه ، ولا يزال يرخص لنفسه فيما يحصل ، إلى أن يلتبس بالحرام ، ومن يفكر فهمته ما يأكل وما يأكله أهله ، وما يرضي به الزوجة من النفقة والكسوة ، وليس له ذلك . فأي قلب يحضر له ، وأي هم يجتمع ؟ هيهات واللّه . لا يجتمع الهم والعين تنظر إلى الناس ، والسمع بسمع حديثهم ، واللسان يخاطبهم ، والقلب متوزع في تحصيل ما لا بد منه . فان قال قائل : فكيف أصنع ؟ قلت : إن وجدت ما يكفيك من الدنيا ، أو معيشة تكفّك فاقنع بها ، وانفرد في خلوة عن الخلق مهما قدرت ، وان تزوجت فبفقيرة تقنع باليسير ، وتصبر أنت على صورتها وفقرها ، ولا تترك نفسك تطمح إلى من تحتاج إلى فضل نفقة فان رزقت امرأة صالحة جمعت همتك . وإن لم تقدر فمعالجة الصبر أصلح لك من المخاطرة . وإياك والمستحسنات « 1 » فان صاحبهن إذا سلم كعابد صنم وإذا حصل بيدك شيء فأنفق بعضه ، فبحفظ الباقي تحفظ شتات قلبك . واحذر كل الحذر من هذا الزمان وأهله فما بقي مواس ولا مؤثر ، ولا من يهتم لسدّ خلة ، ولا من لو سئل أعطى إلا أن يعطي نزرا بتضجر ومنة يستعبد بها المعطى بقية العمر ، ويستثقله كلما رآه ويستدعي خدمته له ويتردد اليه . وإنما كان في الزمان مثل أبي عمرو بن نجيد سمع أبا عثمان المغربي يقول يوما على المنبر : عليّ ألف دينار ، وقد ضاق صدري . فمضى أبو عمرو اليه في الليل بألف دينار ، وقال : اقض دينك . فلما عاد وصعد المنبر قال : نشكر اللّه لأبي عمرو فإنه أراح قلبي وقضى ديني . فقام أبو عمرو فقال : أيها الشيخ ذلك المال كان لوالدتي وقد شق عليها ما فعلت فان رأيت أن تتقدم « 2 » برده فافعل .

--> ( 1 ) يريد الجميلات . ( 2 ) أي تأمر .