ابن الجوزي
293
صيد الخاطر
247 - فساد أهل الزمان وخاصة المتصوفة من رزقه اللّه تعالى العلم ، والنظر في سير السلف ، رأى أن هذا العلم ظلمة ، وجمهورهم على غير الجادة ، والمخالطة لهم تضر ولا تنفع ، فالعجب لمن يترخّص في المخالطة وهو يعلم أن الطبع لص يسرق من المخالط . وانما ينبغي أن تقع المخالطة للأرفع والأعلى في العلم والعمل ليستفاد منه ، فأما مخالطة الدون فإنها تؤذي ، الا أن يكون عاميا يقبل من معلمه ، فينبغي أن يخالط بالاحتراز . وفي هذا الزمان ان وقعت المخالطة للعوام فهم ظلمة مستحكمة ، فإذا ابتلي العالم بمخالطتهم فليشمر ثياب الحذر ، ولتكن مجالسته إياهم للتذكرة والتأديب فحسب . وان وقعت المخالطة للعلماء فأكثرهم على غير الجادة ، مقصودهم صورة العلم لا العمل به . فلا تكاد ترى من تذاكره أمر الآخرة انما شغلهم الغيبة وقصد الغلبة واجتلاب الدنيا ، ثم فيهم من الحسد للنظراء ما لا يوصف . وان وقعت المخالطة للأمراء ، فذاك تعرض لفساد الدين ، لأنه ان تولى لهم ولاية دنيوية فالظلم من ضروراتها ، لغلبة العادة عليهم والاعراض عن الشرع . وان كانت ولاية دينية كالقضاء ، فإنهم يأمرونه بأشياء لا يكاد يمكنه المراجعة فيها ، ولو راجع لم يقبلوا . وأكثر القوم يخاف على منصبه ، فيفعل ما أمر به وان لم يجز . وربما رأيت في هذا الزمان أقواما يبذلون المال ليكونوا قضاة ، أو شهودا ، ومقصودهم الرفعة . ثم أكثر الشهود يشهد على من لا يعرفه ، ويقول أنه معرّف ، ويدري أنه كذاب ، وانه انما عرّف لأجل حبة يعطاها ، وكم وقعت شهادة على غير المشهود عليه ، وعلى مكره . وان وقعت المخالطة للمتزهدين فأكثرهم على غير الجادة ، وعلى خلاف العلم ، وقد جعلوا لأنفسهم نواميس . فلا يتنسمون ولا يخرجون إلى سوق ، ويظهرون التخشع الزائد . وكله نفاق . وفيهم من يلبس الصوف تحت ثيابه ، وربما لوّح بكمه ليرى . وقد حكي عن طاهر بن الحسين أنه قال لبعض المتزهدين : مذ كم قدمت العراق ؟ قال : دخلتها منذ عشرين سنة ، وأنا منذ ثلاثين سنة صائم . قال : سألناك مسألة فأجبت عن اثنتين .