ابن الجوزي

291

صيد الخاطر

والجواب الثاني فاني أقول ؛ لا يخلو أن تكون قادرا على الوطء في وقت أو لا تكون ، فان كنت لا تقدر فالأولى مصابرة الترك للكل ، وان كان يمكن الحازم أن يداري المرأة بالنفقة وطيب الخلق الا أنه يخاطر . وان كنت تقدر في أوقات على ذلك ، ورأيت من نفسك توقا شديدا ، فعليك بالمراهقات فإنهن ما عرفن النكاح ، وما طلبن الوطء ، واغمرهن بالانفاق وحسن الخلق مع الاحتياط عليهن ، والمنع من مخالطة النسوة . وإذا اتفق وطء فتصبّر عن الانزال ريثما تقضي المرأة حاجتها . واعتمد وعظها وتذكيرها بالآخرة . واذكر لها حكايات العشاق من غير نكاح وقبح صورة الفعل ، ولفت قلبها إلى ذكر الصالحين ، ولا تخل نفسك من الطيب والتزين والكياسة والمداراة والانفاق الواسع . فهذا ربما حرك الناقة للمسير ، مع خطر السلامة . 245 - العاقل من احترس مما يجوز وقوعه أبله الناس من عمل على الحال الحاضرة ولم يتصور تغيرها ولا وقوع ما يجوز وقوعه . مثاله أن يغتر بدولة فيعمل بمقتضى ملكه فإذا تغيرت هلك ، وربما عادى خلقا اغترارا بأنه متسلط أو أنه صاحب سلطان ، فإذا تغيرت حاله أكل كفه ندما عند فوات التدارك . وكذا من له مال يبذره سكونا إلى وجود المال وينسى حاله عند العدم . ومن يتناول الشهوات ، ويكثر من المآكل والمشارب والنكاح ثقة بعافيته ، وينسى ما يعقب ذلك من الأمراض والآفات . ومن أظرف « 1 » الأحوال أن يحب جاريته فيعتقها ويهب لها ، أو امرأة فيسكن إليها ويهب لها فتتمكن . ولا تمضي الأيام حتى يسلوها أو يطلب غيرها ، ولا يجد طريقا للخلاص . فان تخلص منها أخذت ما غنمت منه فلقي من الغيظ أضعاف ما يلتذ به ، فلا ينبغي أن يوثق بامرأة ولا بمحبة انسان ، فإنه قد يحب امرأة ويظن أنه لا يسلوها أبدا فيسترسل إليها والسلو يحدث . وربما أحب غيرها فينسى الأولى فيصعب عليه الخلاص من الأولى . فالعاقل لا يدخل في شيء حتى يهيئ الخروج منه ، فان الأشياء لا تثبت ، والمحبة لا تدوم ، والتغير مقرون بكل حال .

--> ( 1 ) أي من أعجب .