ابن الجوزي

287

صيد الخاطر

وكلما فات منها شيء وقع الغم لفواته . فأما من رزق معرفة باللّه تعالى فإنه يستغني بالرضا والقضاء ، فمهما قدر له رضي ، وان دعا فلم ير أثر إجابة لم يختلج في قلبه اعتراض ، لأنه مملوك مدبّر فتكون همته في خدمة الخالق . ومن هذه صفته لا يؤثر جمع مال ، ولا مخالطة الخلق ، ولا الالتذاذ بالشهوات ، لأنه إما أن يكون مقصرا في المعرفة فهو مقبل على التعبد المحض يزهد في الفاني لينال الباقي . وإما أن يكون له ذوق في المعرفة فإنه مشغول عن الكل بصاحب الكل . فتراه متأدبا في الخلوة به ، مستأنسا بمناجاته ، مستوحشا من مخالطة خلقه ، راضيا بما يقدر له . فعيشه معه كعيش محب قد خلا بحبيبه لا يريد سواه ، ولا يهتم بغيره ، فأما من لم يرزق هذه الأشياء ، فإنه لا يزال في تنغيص متكدر العيش ، لأن الذي يطلبه من الدنيا لا يقدر عليه ، فيبقى أبدا في الحسرات مع ما يفوته من الآخرة بطيب المعاملة . نسأل اللّه عز وجل أن يستصلحنا له فإنه لا حول ولا قوة إلا به . 241 - الدنيا دار الخيانة والأذى تفكرت في نفسي فرأيتني مفلسا من كل شيء ، إن اعتمدت على الزوجة لم تكن كما أريد . ان حسنت صورتها لم تكمل أخلاقها . وان تمت أخلاقها كانت مريدة لغرضها لا لي ، ولعلها تنتظر رحيلي . وان اعتمدت على الولد فكذلك . والخادم والمريد لي كذلك ، فإن لم يكن لهما مني فائدة لم يريداني . وأما صديق فليس ، وأخ في اللّه كعنقاء مغرب « 1 » ، ومعارف يفتقدون أهل الخير ويعتقدون فيهم قد عدموا وبقيت وحدي . وعدت إلى نفسي ، وهي لا تصفو إلي أيضا ولا تقيم على حالة سليمة فلم يبق إلا الخالق سبحانه . فرأيت أني إن اعتمدت على انعامه فما آمن ذلك البلاء ، وان رجوت عفوه فما آمن عقوبته فوا أسفا لا طمأنينة ولا قرار . واقلقي من قلقي ، واحرقي من حرقي ، باللّه ما العيش الا في الجنة ، حيث يقع اليقين بالرضى والمعاشرة لمن لا يحزن ولا يؤذي ، فأما الدنيا فما هي الا دار ذاك .

--> ( 1 ) أي انه مثل العنقاء لا وجود له .