ابن الجوزي

288

صيد الخاطر

242 - شروط مصاحبة السلطان ينبغي لمن صحب سلطانا أو محتشما أن يكون ظاهره معه وباطنه سواء ، فإنه قد يدس اليه من يختبره ، فربما افتضح في الابتداء . وقد كان جماعة من الملوك يقصدون تقريب المنادم ، ويجعلون له حجرة في دورهم ، فإذا أرادوا أن يختصوه اختبروه باطنا وذاك لا يدري ، فيظهر منه ما لا يصلح فيطرد . ولقد امتحن أبرويز رجلا من خاصته ، فدس اليه جارية معها ألطاف ، وأمرها أن لا تقعد عنده فحملتها ، ثم أنفذها مرة أخرى وأمرها أن تقعد بعد التسليم هنيهة ففعلت ، فلاحظها الرجل . ثم بعثها مرة ثالثة وأمرها أن تطيل القعود عنده وتحدثه ، فأطالت الحديث معه ، فأبدى لها شيئا من الميل إليها . فقالت : أخاف أن يطلع علينا ، ولكن دعني أدبر في هذا . فذهبت فأخبرت الملك بذلك ، فوجه غيرها من خواص جواريه بمثل ذلك ، فلما جاءته قال : ما فعلت فلانة . قالت : مريضة فاربد لونه . ثم فعلت الجارية الثانية مثل ما فعلت الأولى ، فقالت له إن الملك يمضي إلى بستانه فيقيم هناك ، فان أرادك على أن تمضي معه فأظهر أنك عليل ، فان خيّرك بين الانصراف إلى دور نسائك أو المقام هاهنا فاختر المقام هاهنا ، وأخبره أنك لا تقدر على الحركة ، فان أجابك إلى ذلك جئت إليك كل ليلة ما دام الملك غائبا . فسكن إلى قولها . ثم مضت وأخبرت الملك بذلك . فلما كان بعد ثلاث ، استدعاه الملك فقال : اني مريض . فعاد الرسول فأخبره فتبسم . وقال : هذا أول الشر . فوجه اليه محفة حمل فيها اليه فلما بصر به أبرويز قال : والمحفة الشر الثاني . فرأى العصابة على رأسه ، قال : والعصابة الشر الثالث .