ابن الجوزي

286

صيد الخاطر

قد تعبد بالدعاء ، فان أنعم عليه فبفضل ، وان لم يجب فمالك يفعل ما يشاء . على أن أكثر السؤال إنما يقع في طلب أغراض الدنيا التي إذا ردت كان أصلح . فليكن هم العاقل في إقامة حق الحق « 1 » والرضا بتدبيره وان أساء « 2 » . فمتى أقبلت عليه أقبل على اصلاح شأنك ، وإذا عرفت أنه كريم فلذ به ولا تسأل . ومتى أقبلت على طاعته فمحال أن يجوّد صانع وينصح في العمل ثم لا يعطى الأجرة . 239 - وجوب الاستعداد الدائم للنعيم في الجنة واللّه إني لأتخايل دخول الجنة ودوام الإقامة فيها من غير مرض ولا بصاق ولا نوم ولا آفة تطرأ ، بل صحة دائمة وأغراض متصلة لا يعتورها منغص ، في نعيم متجدد في كل لحظة إلى زيادة لا تتناهى ، فأطيش ويكاد الطبع يضيق عن تصديق ذلك لولا أن الشرع قد ضمنه . ومعلوم أن تلك المنازل انما تكون على قدر الاجتهاد هاهنا ، فوا عجبا من مضيع لحظة يقع فيها ، فتسبيحة يغرس لها في الجنة نخلة أكلها دائم وظلها . فيا أيها الخائف من فوت ذلك شجع قلبك بالرجاء . ويا أيها المنزعج لذكر الموت تلمح ما بعد مرارة الشربة من العافية . فإنه من ساعة خروج الروح لا بل قبل خروجها تنكشف المنازل لأصحابها . فيهون سير المجذوب للذة المنتقل اليه . ثم الأرواح في حواصل طير تعلق « 3 » في أشجار الجنة . فكل الآفات والمخالفات في نهار الاجل ، وقد اصفرت شمس العمر . فالبدار البدار قبل الغروب ولا معين يرافق على تلك الطريق إلا الفكر إذا جلس مع العقل فتذاكرا العواقب ، فإذا فرغ ذلك المجلس فالنظر في سير المجدين فإنه يعود مستجلبا للفكر منها للفضائل ، والتوفيق من وراء ذلك . ومتى أرادك لشيء هيأك له ؛ فأما مخالطة الذين ليس عندهم خبر إلا من العاجلة فهو من أكبر أسباب مرض الفهم وعلل العقل ، والعزلة عن الشر حمية ، والحمية سبب العافية . 240 - الاعراض عن اللّه عز وجل سبب الهموم رأيت سبب الهموم والغموم الاعراض عن اللّه عز وجل والاقبال على الدنيا .

--> ( 1 ) أي حق اللّه . ( 2 ) أي وان كان في التدبير مساءة للعبد ، لا ان اللّه يسيء تعالى اللّه عن ذلك . ( 3 ) أي ترعي وتأكل .