ابن الجوزي

283

صيد الخاطر

237 - أفعال الخالق وأفعال المخلوق تأملت سبب تخليط العقائد ، فإذا به الميل إلى الحس وقياس الغائبات على الحاضر . فإن أقواما غلب عليهم الحس ، فلما لم يشاهدوا الصانع جحدوا وجوده ، ونسوا أنه قد ظهر بأفعاله ، وأن هذه الأفعال لا بد لها من فاعل ، فإن العاقل إذا مرّ على صحراء خالية ثم عاد وفيها غرس وبناء علم أنه لا بد من غارس ، إذ الغرس لا يكون بنفسه ولا البناء . ثم جاء قوم فأثبتوا وجود الصانع ، ثم قاسوه على أحوالهم فشبهوا ، حتى أن قائلهم يقول في قوله « ينزل إلى السماء » : ينتقل . ويستدل بأن العرب لا تعرف النزول إلا الانتقال . وضل خلق كثير في صفاته كما ضل خلق في ذاته . فظن أقوام أنه يتأثر حين سمعوا أنه يغضب ويرضى ، ونسوا أن صفته تعالى قديمة لا يحدث منها شيء . وضل خلق في أفعاله فأخذوا يعللون فلم يقنعوا بشيء . فخرج منهم قوم إلى أن نسبوا فعله إلى ضده تعالى عن ذلك . ومن رزق التوفيق فليحضر قلبه لما أقول : اعلم أن ذاته سبحانه لا تشبه الذوات ، وصفاته ليست كالصفات ، وأفعاله لا تقاس بأفعال الخلق . أما ذاته سبحانه فإنا لا نعرف ذاتا إلا أن تكون جسما وذاك يستدعي سابقة تأليف ، وهو منزه عن ذلك ، لأنه المؤلف ، أو أن يكون جوهرا فالجوهر متحيز ، وله أمثال ، وقد جل عن ذلك . أو عرضا فالعرض لا يقوم بنفسه بل بغيره ، وقد تعالى عن ذلك . فإذا أثبتنا ذاتا قديمة خارجة عما يعرف ، فليعلم أن الصفات تابعة لتلك الذات ، فلا يجوز لنا أن نقيس شيئا منها على ما نعقله ونفهمه ، بل نؤمن به ونسلمه ، وكذلك أفعاله ؛ فإن أحدنا لو فعل فعلا لا يجتلب به نفعا ، ولا يدفع به عنه ضرا عدّ عابثا . وهو سبحانه أوجد الخلق لا لنفع يعود إليه ، ولا لرفع ضر ، إذ المنافع لا تصل اليه ، والمضار لا تتطرق عليه . فان قال قائل : إنما خلق الخلق لينفعهم . قلنا : يبطله ، أنه خلق خلقا منهم للكفر وعذبهم . ونراه يؤلم الحيوان والأطفال ، وهو قادر ألّا يفعل ذلك . فان قال قائل : انه يثيب على ذلك . قلنا : وهو قادر أن يثيب بلا هذه الأشياء ، فإن السلطان لو أراد أن يغني فقيرا فجرحه ثم أغناه ليم على ذلك ، لأنه قادر أن يغنيه بلا جراح . ثم من يرى