ابن الجوزي

284

صيد الخاطر

ما جرى لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وعلى أصحابه من الجوع والقتل مع قدرة الناصر ، ثم يسأل في أمه فلا يجاب ، ولو كان المسؤول بعضنا قلنا : لم تمنع ما لا يضرك غير أن الحق سبحانه لا تقاس أفعاله على أفعالنا ولا تعلل . والذي يوجب علينا التسليم أن حكمته فوق العقل ، فهي تقضي على العقول ، والعقول لا تقضي عليها . ومن قاس فعله على أفعالنا غلط الغلط الفاحش . وانما هلكت المعتزلة من هذا الفن . فإنهم قالوا : كيف يأمر بشيء ويقضي بامتناعه ، ولو أن انسانا دعانا إلى داره ثم أقام من يصد الداخل لعيب . ولقد صدقوا فيما يتعلق بالشاهد . فأما من أفعاله لا تعلل ولا يقاس بشاهد ، فانا لا نصل إلى معرفة حكمته . فان قال قائل : فكيف يمكنني أن أقود عقلي إلى ما ينافيه ؟ قلنا : لا منافاة ، لأن العقل قد قطع بالدليل الجلي أنه حكيم ، وأنه مالك ، والحكيم لا يفعل شيئا إلا الحكمة ، غير أن تلك الحكمة لا يبلغها العقل . ألا ترى أن الخضر خرق سفينة وقتل شخصا ، فأنكر عليه موسى عليهما السلام بحكم العلم ولم يطلع على حكمة فعله ، فلما أظهر له الحكمة أذعن وللّه المثل الأعلى « 1 » . فإياك إياك أن تقيس شيئا من أفعاله على أفعال الخلق أو شيئا من صفاته أو ذاته سبحانه وتعالى . فإنك ان حفظت هذا سلمت من التشبيه الذي وقع فيه من رأى الاستواء اعتمادا ، والنزول نقلة ، ونجوت من الاعتراض الذي أخرج قوما إلى الكفر حتى طعنوا في الحكمة . وأول القوم إبليس ، فإنه رأى تقديم الطين على النار ليس بحكمة ، فنسي انه إنما علم ذلك ( بزعمه ) بالفهم الذي وهب له ، والعقل الذي منحه فنسي أن الواهب أعلم ( أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ) ولقد رأيت لابن الرومي « 2 » اعتراضا على من يقول بتخليد الكفار في النار : ينبغي أن يقبل كل ما يقوله العقل ، ولا يرد بعضه إذ ليس رد بعضه بأولى من رد الكل ، وتخليد الكفار لا غرض فيه للمعذّب ولا للمعذّب فلا يجوز أن يكون . فقلت : العجب من هذا الذي يدعي وجود العقل ولا عقل عنده . وأول ما أقول له : أصح عندك الخبر عن الخالق سبحانه أنه أخبر بخلود أهل النار أم لم يصح ؟

--> ( 1 ) هذا واللّه الحق ، الذي يريح قلب الانسان ويثبت الايمان ويرضي الرحمن . ( 2 ) في بعض المخطوطات : الرمودني ولم أقف على ترجمته . وما في الأصل من أنه « ابن الرومي » فهو ان لم يكن تحريفا فليس المراد به ابن الرومي الشاعر قطعا .