ابن الجوزي
277
صيد الخاطر
231 - لا تركن إلى عدوك من التغفل أن تعاقب شخصا أو تسيء اليه إساءة عظيمة وتعلم أن مثل ذلك يجدد الحقد ، فتراه ذليلا لك طائعا تائبا مقلعا عما فعل ، فتعود فتستطيبه وتنسى ما فعلت وتظن أنه قد انمحى من قلبه . فربما عمل لك المحن ونصب لك المكايد ، كما جرى لقصير مع الزباء ، وأخباره معروفة . فإياك أن تساكن من آذيته ، بل إن كان ولا بد فمن خارج فلا تؤمن الأحقاد . ومتى رأيت عدوك فيه غفلة لا يثنيه مثل هذا فأحسن اليه ، فإنه ينسى عداوتك ولا يظن أنك قد أضمرت له جزاء على قبح فعله فحينئذ تقدر على بلوغ كل غرض منه . ومن الخور إظهار العداوة للعدو . ومن أحسن التدبير التلطف بالاعداء إلى أن يمكن . ولو لم يمكن كان اللطف سببا في كف أكفهم عن الأذى ، وفيهم من يستحي لحسن فعلك فيتغير قلبه لك . وقد كان جماعة من السلف إذا بلغهم أن رجلا قد شتمهم أهدوا اليه وأعطوه ، فهم بالعاجل يكفون شره ، ويحتالون في تقليب قلبه ، ويقع بذلك لهم مهلة لتدبير الحيل عليه ان أرادوا وكفى بالذهن الناظر إلى العواقب والتأمل لكل ممكن مؤدبا . 232 - ربما كان المنع لطفا من اللّه بك تفكرت في قول شيبان الراعي لسفيان : يا سفيان عدّ منع اللّه إياك عطاء منه لك ، فإنه لم يمنعك بخلا ، انما منعك لطفا . فرأيته كلام من عرف الحقائق . فان الانسان قد يريد المستحسنات الفائقات فلا يقدر ، وعجزه أصلح له ، لأنه لو قدر عليهن تشتت قلبه إما بحفظهن أو بالكسب عليهن ، فان قوي عشقه لهن ضاع عمره وانقلب هم الآخرة إلى الاهتمام بهنّ . فإن لم يردنه فذاك الهلاك الأكبر . وان طلبن نفقة لم يطقها كان سبب ذهاب مروءته وهلاك عرضه . وان أردن الوطء وهو عاجز فربما أهلكنه أو فجرن . وان مات معشوقه هلك هو أسفا . فالذي يطلب الفائق يطلب سكينا لذبحه وما يعلم . وكذلك انفاذ قدر القوت فإنه نعمة وفي الصحيحين أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا .