ابن الجوزي

278

صيد الخاطر

ومتى كثر ، تشتت الهم . فالعاقل من علم أن الدنيا لم تخلق للتنعيم ، فقنع بدفع الوقت في كل حال . 233 - التعلل بالأقدار رأيت جماعة من الخلق يتعللون بالاقدار ، فيقول قائلهم : إن وفقت فعلت . وهذا تعلل بارد ، ودفع للأمر بالراح ، وهو يشير إلى رد أقوال الأنبياء والشرائع جميعها . فإنه لو قال كافر للرسول : إن وفقني أسلمت ، لم يجبه الا بضرب العنق . وهذا من جنس قول الناس لعلي رضي اللّه عنه : ندعوك إلى كتاب اللّه فقال : كلمة حق أريد بها باطل . وكذلك قول المتعللين عن الصدقة « أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ » ، ولعمري ان التوفيق أصل الفعل . ولكن التوفيق أمر خفي والخطاب بالفعل أمر جلي . فلا ينبغي أن يتشاغل عن الجلي بذكر الخفي . ومما يقطع هذا الاحتجاج أن يقال لهذا القائل : إن اللّه سبحانه لم يكلفك شيئا ، الا وعندك أدوات ذلك الفعل ولك قدرة عليه ، فان كانت القدرة عليه معدومة والأدوات غير محصلة فلا أمر ولا تكليف ، وان كنت تسعى بتلك الأدوات في تحصيل غرضك وهواك ، فاسع بها في إقامة مفروضك . مثال ذلك أنك تسافر في طلب الربح ، وتسأل الحج فلا تفعل ، ويثقل عليك الانتباه بالليل ، فلو أردت الخروج إلى العيد انتبهت سحرا ، وتقف في بعض أغراضك مع صديق تحادثه ساعات فإذا وقفت في الصلاة استعجلت ، وثقل عليك . فإياك إياك أن تتعلق بأمر لا حجة لك فيه ، ثم من نصيبك ينقص ، ومن حظك يضيع ، فإنما تحرّك لك وانما تحرض لنفعك . فبادر فإنك مبادر بك . ومما يزيل كسلك ان تأملته أن تتخايل ثواب المجتهدين وقد فاتك . ويكفي ذلك في توبيخ المقصر ان كانت له نفس . فأما الميت الهمة : فما لجرح بميت إيلام . كيف بك إذا قمت من قبرك وقد قرّبت نجائب النجاة لأقوام وتعثرت ، وأسرعت أقدام الصالحين على الصراط وتخبطت هيهات . ذهبت حلاوة البطالة ، وبقيت مرارة الأسف ، ونضب ماء كأس الكسل ، وبقي رسوب الندامة . وما قدر البقاء في الدنيا بالإضافة إلى دوام الآخرة ! ثم فاقدر عمرك في الدنيا ونصفه نوم ، وباقيه غفلة . فيا خاطبا حور الجنة وهو لا يملك فلسا من عزيمة ، افتح