ابن الجوزي
267
صيد الخاطر
بقائه ، ويفوت المقصود ببقائه . وربما احتاج إلى الأنذال . قال الشاعر : حسبي من الدهر ما كفاني * يصون عرضي عن الهوان مخافة أن يقول قوم * فضل فلان على فلان فينبغي للعاقل إذا رزق قوتا أو كان له مواد أن يحفظها ليتجمع همه ، ولا ينبغي أن يبذر في ذلك فإنه يحتاج فيتشتت همه ، والنفس إذا أحرزت قوتها اطمأنت . فإن لم يكن له مال اكتسب بقدر كفايته وقلل الغلو ليجمع همه ، وليقنع بالقليل ، فإنه متى سمت همته إلى فضول المال وقع المحذور من التشتت ، لأن التشتت في الأول للعدم ، وهذا التشتت يكون للحرص على الفضول ، فيذهب العمر على البارد : ومن ينفق الأيام في حفظ ماله * مخافة فقر فالذي فعل الفقر فافهم هذا يا صاحب الهمة في طلب الفضائل ، فإنك ما لم تعزل قوت الصبيان شتتوا قلبك ، وطبعك طفل ، ففرغ همك من استعانته . واعرف قدر شرف المال الذي أوجب جمع همك ، وصان عرضك عن الخلق . وإياك أن يحملك الكرم على فرط الاخراج فتصير كالفقير المتعرض لك بالتعرض لغيرك وفي الحديث أن رجلا أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فرأى عليه آثار الفقر ، فعرّض به فأعطي شيئا . فجاء فقير آخر فآثره الأول ببعض ما أعطي ، فرماه النبي صلّى اللّه عليه وسلم اليه ، ونهاه عن مثل ذلك . والقناعة بما يكفي ، وترك التشوف إلى الفضول أصل الأصول . ولما أيأس الإمام أحمد بن حنبل نفسه من قبول الهدايا والصلات اجتمع همه ، وحسن ذكره . ولما أطمعها ابن المديني « 1 » وغيره سقط ذكرهم . ثم فيمن يطمع ؟ إنما هو سلطان جائر ، أو مزكّ منان ، أو صديق مذل بما يعطي ، والعز ألذ من كل لذة ، والخروج عن ربقة المنن ولو بسفّ التراب . 222 - التجلد عند النكبات قد ركب في الطباع حب التفضيل على الجنس . فما أحد إلا وهو يحب أن
--> ( 1 ) علي بن عبد اللّه كان حافظ عصره توفي بسامراء سنة 234 .