ابن الجوزي

268

صيد الخاطر

يكون أعلى درجة من غيره ، فإذا وقعت نكبة أوجبت نزوله عن مرتبة سواه ، فينبغي له أن يتجلد بستر تلك النكبة ، لئلا يرى بعين نقص . وليتجمل المتعفف حتى لا يرى بعين الرحمة . وليتحامل المريض لئلا يشمت به ذو العافية . وقد قال صلّى اللّه عليه وسلم لأصحابه حين قدومه مكة وقد أخذتهم الحمى فخاف أن يشمت بهم الأعداء حين ضعفهم عن السعي ، فقال : « رحم اللّه من أظهر من نفسه الجلد » . فرملوا والرمل شدة السعي . وزال ذلك السبب وبقي الحكم ، ليتذكر السبب فيفهم معناه . واستأذنوا على معاوية وهو في الموت ، فقال لأهله أجلسوني ، فقعد متمكنا يظهر العافية ، فلما خرج العواد أنشد : وتجلدي للشامتين أريهم * أني لريب الدهر لا أتضعضع وإذا المنية أنشبت أظفارها * ألفيت كل تميمة لا تنفع « 1 » وما زال العقلاء يظهرون التجلد عند المصائب والفقر والبلاء ، لئلا يتحملوا مع النوائب شماتة الأعداء ، وانها لأشد من كل نائبة . وكان فقيرهم يظهر الغنى ، ومريضهم يظهر العافية ، بلى . ثم نكتة ينبغي التفطن لها ، ربما أظهر الانسان كثرة المال وسبوغ النعم ، فأصابه العدو بالعين ، فلا يفي ما تبحبح به بما يلاقي من انعكاس النعمة ، والعين لا تصيب إلا ما يستحسن للشيء ، ولا يكفي الاستحسان في إصابة العين حتى يكون من حاسد ، ولا يكفي ذلك حتى يكون من شرير الطبع . فإذا اجتمعت هذه الصفات خيف من إصابة العين . فليكن الانسان مظهرا للتجميل مقدار ما يأمن إصابة العين ويعلم أنه في خير . وليحذر الافراط في اظهار النعم ، فان العين هناك محذورة . وقد قال يعقوب لبنيه عليهم السلام « لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ » وإنما خاف عليهم العين فليفهم هذا الفصل فإنه ينفع من له تدبر . 223 - درجات الايمان إنما خلقنا لنحيا مع الخالق في معرفته ومحادثته ورؤيته في البقاء الدائم . وإنما ابتدئ كوننا في الدنيا لأنها في مثال مكتب نتعلم فيه الخط والأدب ليصلح الصبي عند بلوغه للرتب فمن الصبيان بعيد الذهن يطول مكثه في المكتب ويخرج

--> ( 1 ) من قصيدة أبي ذؤيب : ( أمن المنون وريبها تتوجع ) وهي من أجمل المراثي .