ابن الجوزي

266

صيد الخاطر

وقعت من عارف باللّه ، فإنه يندر إهماله ، قال عبد المجيد بن عبد العزيز « 1 » : كان عندنا بخراسان رجل كتب مصحفا في ثلاثة أيام فلقيه رجل فقال : في كم كتبت هذا ؟ فأومأ بالسبابة والوسطى والابهام وقال : في ثلاث « وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ » . فجفت أصابعه الثلاث ، فلم ينتفع بها فيما بعد . وخطر لبعض الفصحاء أنه يقدر أن يقول مثل القرآن ، فصعد إلى غرفة فانفرد فيها ، وقال أمهلوني ثلاثا ، فصعدوا اليه بعد الثلاث ويده قد يبست على القلم وهو ميت ، قال عبد المجيد : ورأيت رجلا كان يأتي امرأته حائضا ، فحاض « 2 » ، فلما كثر الامر به تاب فانقطع عنه . ويلحق هذا أن يعيّر الانسان شخصا بفعل ، وأعظمه أن يعيره بما ليس إليه ، فيقول : يا أعمى ، ويا قبيح الخلقة . وقد قال ابن سيرين : عيّرت رجلا بالفقر فحبست على دين . وقد تتأخر العقوبة وتأتي في آخر العمر . فيا طول التعثير مع كبر السن لذنوب كانت في الشباب . فالحذر الحذر من عواقب الخطايا والبدار البدار إلى محوها بالإنابة ، فلها تأثيرات قبيحة ان أسرعت وإلا اجتمعت وجاءت . 221 - جمع المال اعلم أن الآدمي خلق لأمر عظيم . وهو مطالب بمعرفة خالقه بالدليل « 3 » ، ولا يكفيه التقليد ، وذلك يفتقر إلى جمع الهم في طلبه . وهو مطالب بإقامة المفروضات ، واجتناب المحارم ، فإن سمت همته إلى طلب العلم احتاج إلى زيادة جمع الهم . فأسعد الناس من له قوت دارّ بقدر الكفاية ، لا من منن الناس وصدقاتهم ، وقد قنع به ، فإنه حينئذ يجتمع همه لمطلوباته من الدين والدنيا والعلم . وأما إذا لم يكن له قوت يكفي فالهم الذي يريد اجتماعه في تلك الأمور يتشتت ويصير طالبا للتحيل في القوت ، فيذهب العمر في تحصيل قوت البدن الذي يريد من بقائه غير

--> ( 1 ) ابن أبي رواد الذي مر ذكره قبل صفحتين . ( 2 ) الحديث الصحيح السند ان كان مخالفا للمشاهد المحسوس ، حكم بأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يقله ، فكيف بمثل هذه الأخبار التي لا أصل لها ؟ ومتى رأى الناس رجلا حاض ؟ ! ( 3 ) اما الدليل العقلي الذي تمتلئ بمثله كتب علم الكلام فلم يوجبه اللّه على المؤمن ، ولقد كان السلف لا يعرفونه وايمانهم أثبت من الجبال الرواسي .