ابن الجوزي

260

صيد الخاطر

وليعلم من شارف السبعين ، ان النفس أنين . أعان اللّه من قد قطع عقبة العمر على رمل زرود الموت . 214 - الاقتداء بالنبي عليه السلام في التسليم إلى اللّه عز وجل من أراد أن يعلم حقيقة الرضى عن اللّه عز وجل في أفعاله وأن يدري من أين نشأ الرضى ، فليتفكر في أحوال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . فإنه لما تكاملت معرفته بالخالق سبحانه رأى أن الخالق مالك ، وللمالك التصرف في مملوكه ، ورآه حكيما لا يصنع شيئا عبثا ، فسلم تسليم مملوك لحكيم ، فكانت العجائب تجري عليه ولا يوجد منه تغير ، ولا من الطبع تأفف ، ولا يقول بلسان الحال لو كان كذا ، بل يثبت للأقدار ثبوت الجبل لعواصف الرياح . هذا سيد الرسل صلّى اللّه عليه وسلم ، بعث إلى الخلق وحده والكفر قد ملأ الآفاق ، فجعل يفر من مكان إلى مكان ، واستتر في دار الخيزران « 1 » ، وهم يضربونه إذا خرج ويدمون عقبه وألقي السّلا على ظهره وهو ساكت ساكن ، ويخرج كل موسم فيقول : من يؤويني من ينصرني ؟ ثم خرج من مكة فلم يقدر على العود إلا في جوار كافر ولم يوجد من الطبع تأفف ، ولا من الباطن اعتراض إذ لو كان غيره لقال : يا رب أنت مالك الخلق ، وقادر على النصر ، فلم أذل ؟ كما قال عمر رضي اللّه عنه يوم صلح الحديبية : ألسنا على الحق ، فلم نعطي الدنية في ديننا ؟ ولما قال هذا ، قال له الرسول صلّى اللّه عليه وسلم : إني عبد اللّه ولن يضيعني . فجمعت الكلمتان الأصلين اللذين ذكرنا هما . فقوله : إني عبد اللّه ، اقرار بالملك وكأنه قال : أنا مملوك يفعل بي ما يشاء . وقوله : لن يضيعني بيان حكمته ، وانه لا يفعل شيئا عبثا . ثم يبتلى بالجوع فيشد الحجر ، وللّه خزائن السماوات والأرض . وتقتل أصحابه ، ويشج وجهه ، وتكسر رباعيته ، ويمثّل بعمه « 2 » وهو ساكت . ثم يرزق ابنا ويسلب منه ، فيتعلل بالحسن والحسين فيخبر بما سيجري عليهما . ويسكن بالطبع إلى عائشة رضي اللّه عنها فينغص عيشه بقذفها ، ويبالغ في اظهار المعجزات

--> ( 1 ) كانت دار الأرقم ، وهي في أصل الصفا ، ولم تكن خلقت الخيزران وانما انتهت إليها الدار بعد ذلك . ( 2 ) حمزة في أحد .