ابن الجوزي

255

صيد الخاطر

وهذا أبو يوسف القاضي « 1 » لا يزور قبره اثنان « 2 » . فالصبر عن مخالطة الامراء وان أوجب ضيق العيش من وجه يحصّل طيب العيش من جهات ، ومع التخليط لا يحصل مقصود . فمن عزم جزم . كان أبو الحسن القزويني لا يخرج من بيته إلا وقت الصلاة ، فربما جاء السلطان فيقعد لانتظاره ليسلم عليه ، ومدّ النفس في هذا ربما أضجر السامع . ومن ذاق عرف . 207 - أكثر الناس على غير الجادة من عرف الشرع كما ينبغي وعلم حالة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وأحوال الصحابة وأكابر العلماء علم أن أكثر الناس على غير الجادة ، وإنما يمشون مع العادة ، يتزاورون فيغتاب بعضهم بعضا ، ويطلب كل واحد منهم عورة أخيه ، ويحسده ان كانت نعمة ، ويشمت به ان كانت مصيبة ، ويتكبر عليه ان صحّ له ، ويخادعه لتحصيل شيء من الدنيا ، ويأخذ عليه العثرات ان أمكن . هذا كله يجري بين المنتمين إلى الزهد لا الرعاع ، فالأولى بمن عرف اللّه سبحانه وعرف الشرع وسير السلف الصالحين الانقطاع عن الكل ، فإن اضطر إلى لقاء منتسب إلى العلم والخير تلقاه وقد لبس درع الحذر ، ولم يطل معه الكلام ، ثم عجل الهرب منه إلى مخالطة الكتب التي تحوي تفسيرا لنطاق الكمال . 208 - دلائل الكمال وأسبابه الكامل عزيز ، والكمال قليل وجوده . فأول أسباب الكمال تناسب أعضاء البدن ، وحسن صورة الباطن ، فصورة البدن تسمى خلقا ، وصورة الباطن تسمى خلقا ، ودليل كمال صورة البدن حسن السمت ، واستعمال الأدب . ودليل صورة الباطن حسن الطبائع والأخلاق . فالطبائع : العفة ، والنزاهة ، والأنفة من الجهل ، ومباعدة الشره . والاخلاق : الكرم ، والإيثار ، وستر العيوب ، وابتداء المعروف ، والحلم عن الجاهل . فمن رزق هذه الأشياء رقّته إلى الكمال ، وظهر عنه أشرف الخلال ، وان نقصت خلة أوجبت النقص .

--> ( 1 ) وقبره وسط مقام الكاظم في الكاظمية ( بغداد ) . ( 2 ) لو كان الفضل بعدد زوار القبور لكان أحمد البدوي وابن عربي أفضل من البخاري ومسلم .