ابن الجوزي
256
صيد الخاطر
209 - التسليم للقضاء والرضا بالقدر ليس في الدنيا أبله « 1 » ممن يريد معاملة الحق سبحانه على بلوغ الاغراض ، فأين تكون البلوى اذن ؟ لا واللّه . بل لا بد من انعكاس المرادات ، ومن توقف أجوبة السؤالات ، ومن تشفّي الأعداء في أوقات . فأما من يريد أن تدوم له السلامة والنصر على من يعاديه ، والعافية من غير بلاء ، فما عرف التكليف ، ولا فهم التسليم . أليس الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ينصر يوم بدر ، ثم يجري عليه ما جرى يوم أحد ؟ أليس يصد عن البيت ثم قهر بعد ذلك ؟ فلا بد من جيد ورديء ، والجيد يوجب الشكر ، والرديء يحرك إلى السؤال والدعاء ، فان امتنع الجواب ، أريد نفوذ البلاء ، والتسليم للقضاء . وهاهنا يبين الايمان ، ويظهر في التسليم جواهر الرجال . فان تحقق التسليم باطنا وظاهرا فذلك شأن الكامل . وان وجد في الباطن انعصار من القضاء لا من المقضى فان الطبع لا بد أن ينفر من المؤذي دل على ضعف المعرفة . فان خرج الامر إلى الاعتراض باللسان ، فتلك حال الجهال ، نعوذ باللّه منها . 210 - حاجة الكريم إلى اللئيم بلاء من الابتلاء العظيم إقامة الرجل في غير مقامه . مثل أن يحوج الرجل الصالح إلى مداراة الظالم والتردد اليه ، وإلى مخالطة من لا يصلح ، وإلى أعمال لا تليق به ، أو إلى أمور تقطع عليه مراده الذي يؤثره ، مثل أن يقال للعالم : تردد إلى الأمير والا خفنا عليك سطوته . فيتردد فيرى ما لا يصلح ولا يمكنه أن ينكر . أو يحتاج إلى شيء من الدنيا وقد منع حقه فيحتاج أن يعرّض بذكر ذلك ، أو يصرح لينال بعض حقه . ويحتاج إلى مداراة من تصعب مداراته ، بل يتشتت همه لتلك الضرورات . وكذلك يفتقر إلى الدخول في أمور لا تليق به ، مثل أن يحتاج إلى الكسب فيتردد إلى السوق أو يخدم من يعطيه أجرته . وهذا لا يحتمله قلب المراقب للّه
--> ( 1 ) أبله صفة ولا تجيء اسم تفضيل .