ابن الجوزي

245

صيد الخاطر

فلم يبق إلا أن نضيف العجز عن فهم ما يجري إلى أنفسنا . ونقول : هذا فعل عالم حكيم ، ولكن ما يبين لنا معناه ، وليس هذا بعجب ، فان موسى عليه السلام خفي عليه وجه الحكمة في نقض السفينة الصحيحة ، وقتل الغلام الجميل . فلما بين له الخضر وجه الحكمة أذعن . فلنكن مع الخالق كموسى مع الخضر . أو لسنا نرى المائدة المستحسنة بما عليها من فنون الطعام النظيف الظريف يقطع ويمضغ . ولسنا نملك تلك الأفعال ولا ننكر الافساد له ، لعلمنا بالمصلحة الباطنة فيه ، فما المانع أن يكون فعل الحق سبحانه باطن ولا نعلمه ؟ ومن أجهل الجهال العبد المملوك إذا طلب أن يطلع على سر مولاه ، فان فرضه التسليم لا الاعتراض . ولو لم يكن في الابتلاء بما تنكره الطباع الا أن يقصد إذعان العقل وتسليمه لكفى . ولقد تأملت حالة عجيبة ، يجوز أن يكون المقصود بالموت هي أن الخالق سبحانه في غيب لا يدركه الاحساس . فلو أنه لم ينقض هذه البنية لتخايل للانسان أنه صنع لا بصانع . فإذا وقع الموت عرفت النفس نفسها التي كانت لا تعرفها لكونها في الجسد وتدرك عجائب الأمور بعد رحيلها . فإذا ردت إلى البدن عرفت ضرورة أنها مخلوقة لمن أعادها ، وتذكرت حالها في الدنيا . فان الأفكار تعاد كما تعاد الأبدان . فيقول قائلهم : « إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ » . ومتى رأت ما قد وعدت به من أمور الآخرة ، أيقنت يقينا لا شك معه . ولا يحصل هذا بإعادة ميت سواها ، وانما يحصل برؤية هذا الامر فيها فيبنى بنية تقبل البقاء وتسكن جنة لا ينقضي دوامها ، فيصلح بذلك اليقين أن تجاور الحق ، لأنها آمنت بما وعد ، وصبرت بما ابتلى ، وسلمت لأقداره ، فلم تعترض ، ورأت في غيرها العبر ، ثم في نفسها . فهذه هي التي يقال لها : « ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي » فأما الشاكّ والكافر فيحق لهما الدخول إلى النار واللبث فيها ، لأنهما رأيا الأدلة ولم يستفيدا ونازعا الحكيم واعترضا عليه ، فلما لم تنتفع بالدليل في الدنيا لم تنتفع بالموت والإعادة . ودليل بقاء الخبث في القلوب قوله تعالى « وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ » فنسأل اللّه عز وجل عقلا مسلّما يقف على حده ولا يعترض على خالقه وموجده . ثم الويل للمعترض ، أيرد اعتراضه الاقدار ؟ فما يستفيد إلا الخزي ؟ نعوذ باللّه ممن خذل .