ابن الجوزي
246
صيد الخاطر
198 - الصبر على المرض والموت لا ينبغي للمؤمن أن ينزعج من مرض أو نزول موت ، وان كان الطبع لا يملك . الا أنه ينبغي له التصبر مهما أمكن ، إما لطلب الاجر بما يعاني ، أو لبيان أثر الرضى بالقضاء ، وما هي الا لحظات ثم تنقضي . وليتفكر المعافى من المرض في الساعات التي كان يقلق فيها أين هي في زمان العافية ؟ ذهب البلاء وحصل الثواب ، كما تذهب حلاوة اللذات المحرمة ويبقى الوزر . ويمضي زمان التسخط بالاقدار ، ويبقى العتاب . وهل الموت إلا آلام تزيد فتعجز النفس عن حملها فتذهب ؟ فليتصور المريض وجود الراحة بعد رحيل النفس ، وقد هان ما يلقى ، كما يتصور العافية بعد شرب الشربة المرة . ولا ينبغي أن يقع جزع بذكر البلى ، فان ذلك شأن المركب « 1 » ، أما الراكب ففي الجنة أو في النار . وإنما ينبغي أن يقع الاهتمام الكلي بما يزيد في درجات الفضائل قبل نزول المعوّق عنها . فالسعيد من وفق لاغتنام العافية ، ثم يختار تحصيل الأفضل فالأفضل في زمن الاغتنام . وليعلم أن زيادة المنازل في الجنة على قدر التزيد من الفضائل هاهنا . والعمر قصير ، والفضائل كثيرة ، فليبالغ في البدار . فيا طول راحة التعب ، ويا فرحة المغموم ، ويا سرور المحزون . ومتى تخايل دوام اللذة في الجنة من غير منغّص ولا قاطع ، هان عليه كل بلاء وشدة . 199 - ينبغي التلطف بالبدن بنوع غفلة عن الموت حضرنا يوما جنازة شاب مات أحسن ما كانت الدنيا له ، فرأيت من ذم الناس للدنيا ، وعيب من سكن إليها ، والتقبيح للغافلين عن الاستعداد لهذا المصرع أمرا كبيرا من الحاضرين . فقلت : نعم ما قلتم . ولكن اسمعوا مني ما لم تسمعوه . أعجب الأشياء أن العاقل إذا علم قرب هذا المصرع منه أوجب عليه عقله البدار بالعمل والقلق من الخوف . وقد اشتد ذلك بأقوام فهاموا في البراري ، وطووا الأيام بالمجاعة ، وداموا على سهر الليل ، ولازموا المقابر ، فهلكوا سريعا . ولعمري إن ما خافوه يستحق أكثر من هذا الفعل . ولكن نرى العقل الذي أوجب هذا القلق قد أمر بما يوجب السكون ، فقال : إنما خلق هذا البدن ليحمل النفس كما
--> ( 1 ) يعني الجسد .