ابن الجوزي
244
صيد الخاطر
ظاهرا معلنا به ثم ينظر فيما يجني . فرب رجل وثق بصديق فتكلم عن سلطان بأمر فبلغه فأهلكه ، أو عن صديق فبلغه فوقعت الواقعة . وكذلك ينبغي كتم المذاهب ، فإنه ما يربح مظهرها إلا المعاداة . ولما صرح الشريف أبو جعفر في زمان المقتدي بمخالفة الأشاعرة أخذ وحبس حتى مات ، وكان المقصود قطع الفتن واصلاح الرعية ، فإنه أهم إلى السلطان من التعصب لمذهب . 197 - حكمة الأقدار رأيت كثيرا من المتغفلين يظهر عليهم السخط بالاقدار ، وفيهم من قل إيمانه ، فأخذ يعترض ، وفيهم من خرج إلى الكفر ، ورأى أن ما يجري كالعبث ، وقال : ما فائدة الإعدام بعد الايجاد ، والابتلاء ممن هو غني عن أذانا ؟ فقلت لبعض من كان يرمز إلى هذا : ان حضر عقلك وقلبك حدثتك ، وان كنت تتكلم بمجرد واقعك من غير نظر وانصاف فالحديث معك ضائع . ويحك ، أحضر عقلك ، واسمع ما أقول : أليس قد ثبت أن الحق سبحانه مالك ، وللمالك أن يتصرف كيف يشاء ؟ أليس قد ثبت أنه حكيم والحكيم لا يعبث ؟ وأنا أعلم أن في نفسك من هذه الكلمة شيئا فإنه قد سمعنا عن جالينوس أنه قال : ما أدري ؟ أحكيم هو أم لا ؟ والسبب في قوله هذا ، أنه رأى نقضا بعد إحكام ، فقاس الحال على أحوال الخلق ، وهو أن من بنى ثم نقض لا لمعنى فليس بحكيم . وجوابه لو كان حاضرا أن يقال : بما ذا بان لك أن النقض ليس بحكمة ؟ أليس بعقلك الذي وهبه الصانع لك ؟ وكيف يهب لك الذهن الكامل ويفوته هو الكمال « 1 » ؟ وهذه المحنة التي جرت لإبليس ، فإنه أخذ يعيب الحكمة بعقله ، فلو تفكر علم أن واهب العقل أعلى من العقل ، وان حكمته أوفى من كل حكيم ، لأنه بحكمته التامة أنشأ العقول . فهذا إذا تأمله المنصف زال عنه الشك . وقد أشار سبحانه إلى نحو هذا في قوله تعالى ( أ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ ؟ ) أي جعل لنفسه الناقصات وأعطاكم الكاملين ؟
--> ( 1 ) هذا جواب عظيم . رحمة اللّه على المؤلف .