ابن الجوزي
243
صيد الخاطر
ثم باللّه تأملوا ، أليس قد وجب علينا هجر الربا بقوله تعالى : « لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا » ! وهجر الزنا بقوله : « لا تَقْرَبُوا الزِّنى » فأي فائدة لنا في ذكر قراءة ومقروء ، وتلاوة ومتلو ، وقديم ومحدث « 1 » . فان قيل : فلا بد من اعتقاد ، قلنا : طريق السلف أوضح محجة ، لأنا لا نقوله تقليدا ، بل بالدليل ولكنا لم نستفده عن جوهر وعرض وجزء لا يتجزأ ، بل بأدلة النقل مع مساعدة العقل من غير بحث عما لا يحتاج اليه وليس هذا مكان الشرح . 195 - لا ينبغي الحزن للموت ما زلت على عادة الخلق في الحزن على من يموت من الأهل والأولاد ، ولا أتخايل الا بلى الأبدان في القبور فأحزن لذلك . فمرت بي أحاديث كانت تمر بي ولا أتفكر فيها ، منها قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : انما نفس المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة حتى يرده اللّه عز وجل إلى جسده يوم يبعثه . فرأيت أن الرحيل إلى الراحة ، وان هذا البدن ليس بشيء . لأنه مركب تفكك وفسد ، وسيبنى جديدا يوم البعث ، فلا ينبغي أن يتفكر في بلاه . ولتسكن النفس إلى أن الأرواح انتقلت إلى راحة فلا يبقى كبير حزن ، وان اللقاء للأحباب عن قرب . وانما يبقى الأسف لتعلق الخلق بالصور ، فلا يرى الانسان الا جسدا مستحسنا قد نقض فيحزن لنقضه . والجسد ليس هو الآدمي ، انما هو مركبه ، فالأرواح لا ينالها البلى . والأبدان ليست بشيء . واعتبر هذا بما إذا قلعت ضرسك فرميته في حفرة ، فهل عندك خبر مما يلقى في مدة حياتك ؟ فحكم الأبدان حكم ذلك الضرس ، لا تدري النفس ما يلقى . ولا ينبغي أن تغتم بتمزيق جسد المحبوب وبلاه ، واذكر تنعّم الأرواح ، وقرب التجديد وعجل اللقاء والفكر في تحقيق هذا يهن الحزن ويسهل الأمر . 196 - احفظ لسانك ومذهبك ينبغي للعاقل أن لا يتكلم في الخلوة عن أحد بشيء حتى يمثل ذلك الشيء
--> ( 1 ) وان العلو حقيقي أو مجازي - واليد هي القدرة أو هي على ظاهرها .