ابن الجوزي
239
صيد الخاطر
وأي لذة في المطعم وعند الجوع يستوي خشنه وحسنه ، فان ازداد الأكل خاطر بنفسه . قال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : بنيت الفتنة على ثلاث ، النساء وهن فخ إبليس المنصوب ، والشراب وهو سيفه المرهف ، والدينار والدرهم ، وهما سهماه المسمومان . فمن مال إلى النساء لم يصف له عيش ، ومن أحب الشراب لم يمتع بعقله ، ومن أحب الدينار والدرهم كان عبدا لهما ما عاش . 191 - الرد على المجسمة والفلاسفة أصل كل محنة في العقائد قياس أمر الخالق على أحوال الخلق . فان الفلاسفة لما رأوا ايجاد شيء لا من شيء كالمستحيل في العادات قالوا بقدم العالم . ولما عظم عندهم في العادة الإحاطة بكل شيء قالوا : انه يعلم الجمل لا التفاصيل . ولما رأوا تلف الأبدان بالبلاء أنكروا اعادتها . وقالوا : الإعادة رجوع الأرواح إلى معادنها . وكل من قاس صفة الخالق على صفات المخلوقين خرج إلى الكفر . فان المجسمة دخلوا في ذلك لأنهم حملوا أوصافه على ما يعقلون . وكذلك تدبيره عز وجل . فانّ من حمله على ما يعقل في العادات رأى ذبح الحيوان لا يستحسن ، والأمراض تستقبح ، وقسمة الغنى للأبله ، والفقر للجلد العاقل أمرا ينافي الحكمة . وهذا في الأوضاع بين الخلق . فأما الخالق سبحانه فان العقل لا ينتهي إلى حكمته . بلى ، قد ثبت عنده وجوده وملكه وحكمته ، فتعرضه بالتفاصيل على ما تجري به عادات الخلق جهل . ألا ترى إلى أول المعترضين وهو إبليس كيف ناظر فقال : أنا خير منه ؟ وقول خليفته « 1 » وهو أبو العلاء المعري : رأى منك ما لا يشتهي فتزندقا ونسأل اللّه عز وجل توفيقا للتسليم ، وتسليما للحكيم « رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا » . أترى نقدر على تعليل أفعاله فضلا عن مطالعة ذاته ؟ وكيف نقيس أمره على أحوالنا ؟ فإذا رأينا نبينا صلّى اللّه عليه وسلم يسأل في أمه وعمه فلا يقبل منه ، ويتقلب جائعا والدنيا ملك يده ، ويقتل أصحابه والنصر بيد خالقه ، أو ليس هذا مما يحير ؟ . فما لنا والاعتراض على مالك قد ثبتت حكمته واستقر ملكه .
--> ( 1 ) فتن الناس بلزومياته وفيها الكفر الصريح الذي لا يؤول .