ابن الجوزي
240
صيد الخاطر
192 - معالي الأمور تحتاج إلى تعب تأملت عجبا ، وهو أن كل شيء نفيس خطير يطول طريقه ويكثر التعب في تحصيله . فان العلم لما كان أشرف الأشياء لم يحصل الا بالتعب والسهر والتكرار وهجر اللذات والراحة . حتى قال بعض الفقهاء : بقيت سنين أشتهي الهريسة لا أقدر لأن وقت بيعها وقت سماع الدرس . ونحو هذا تحصيل المال ، فإنه يحتاج إلى المخاطرات والأسفار والتعب الكثير . وكذلك نيل الشرف بالكرم والجود ، فإنه يفتقر إلى جهاد النفس في بذل المحبوب ، وربما آل إلى الفقر . وكذلك الشجاعة ، فإنها لا تحصل الا بالمخاطرة بالنفس . قال الشاعر « 1 » : لولا المشقة ساد الناس كلهم * الجود يفقر والاقدام قتال ومن هذا الفن تحصيل الثواب في الآخرة ، فإنه يزيد على قدر قوة الاجتهاد والتعبد ، أو على قدر وقع المبذول من المال في النفس ، أو على قدر الصبر على فقد المحبوب ومنع النفس من الجزع . وكذلك الزهد يحتاج إلى صبر عن الهوى . والعفاف لا يكون الا بكف كف الشره . ولولا ما عانى يوسف عليه السلام ما قيل له أيها الصديق . وللّه أقوام ما رضوا من الفضائل الا بتحصيل جميعها ، فهم يبالغون في كل علم ويجتهدون في كل عمل ، ويثابرون على كل فضيلة . فإذا ضعفت أبدانهم عن بعض ذلك قامت النيات نائبة وهم لها سابقون . وأكمل أحوالهم إعراضهم عن أعمالهم . فهم يحتقرونها مع التمام ، ويعتذرون من التقصير . ومنهم من يزيد على هذا فيتشاغل بالشكر على التوفيق لذلك ، ومنهم من لا يرى ما عمل أصلا « 2 » لأنه يرى نفسه وعمله لسيده . وبالعكس من المذكور من أرباب الاجتهاد ، حال أهل الكسل والشره والشهوات ، فلئن التذوا بعاجل الراحة لقد أوجبت ما يزيد على كل تعب من
--> ( 1 ) المتنبي وفي شعره ضلالات وان لم يبلغ فيها مبلغ شيخ المعرة ولا الشاعر الكافر ابن هانئ . ( 2 ) أي لا يرى عمله أبدا .