ابن الجوزي
238
صيد الخاطر
189 - النهي عن علم الكلام ما نهي السلف عن الخوض في الكلام الا لأمر عظيم ، وهو أن الانسان يريد أن ينظر ما لا يقوى عليه بصره فربما تحير فخرج إلى الحجب ، لأنا إذا نظرنا في ذات الخالق حار العقل وبهت الحس ، لأنه « 1 » لا يعرف شيئا لا بداية له ، لا يعلم الا الجسم والجوهر والعرض ، فاثبات ما يخرج عن ذاك لا يفهمه ، وان نظرنا في أفعاله رأيناه يحكم البناء ثم ينقضه ولا نطلع على تلك الحكمة ، فالأولى للعاقل أن يكف كف التطلع إلى ما لا يطيق النظر اليه ، ومتى قام العقل فنظر في دليل وجود الخالق بمصنوعاته ، وأجاز بعثة نبي واستدل بمعجزاته ، كفاه ذلك أن يتعرض لما قد أغنى عنه ، وإذا قال القرآن كلام اللّه تعالى بدليل قوله « حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ » كفاه . وأما من تحذلق فقال : التلاوة هي المتلو أو غير المتلو ، والقراءة هي المقروء أو غير المقروء ، فيضيع الزمان في غير تحصيل ، والمقصود العمل بما فهم . وقد حكي أن ملكا كتب إلى عماله في البلدان اني قادم عليكم فاعملوا كذا وكذا ، ففعلوا الا واحدا منهم ، فإنه قعد يتفكر في الكتاب فيقول : أترى كتبه بمداد أو بحبر ؟ أترى كتبه قائما أو قاعدا ؟ فما زال يتفكر حتى قدم الملك ولم يعمل مما أمره به شيئا ، فأحسن جوائز الكل وقتل هذا . 190 - لذة العلم أعظم اللذات لقد غفل طلاب الدنيا عن اللذة فيها واللذة فيها شرف العلم ، وزهرة العفة ، وأنفة الحمية ، وعز القناعة ، وحلاوة الافضال على الخلق ، فأما الالتذاذ بالمطعم والمنكح فشغل جاهل باللذة ، لأن ذاك لا يراد لنفسه بل لإقامة العوض في البدن والولد . وأي لذة في النكاح وهي قبل المباشرة لا تحصل ، وفي حال المباشرة قلق لا يثبت ، وعند انقضائها كأن لم تكن ، ثم يثمر الضعف في البدن . وأي لذة في جمع المال فضلا « 2 » عن الحاجة . فإنه مستعبد للخازن ، يبيت حذرا عليه ، ويدعوه قليله إلى كثيره .
--> ( 1 ) الضمير يرجع إلى الانسان . ( 2 ) الفضل الزيادة ، أي المال الزائد عن الحاجة .