ابن الجوزي
227
صيد الخاطر
واليوم صارت الرئاسات من كل جانب . وما تتمكن الرئاسات حتى يتمكن من القلب الغفلة ، ورؤية الخلق ، ونسيان الحق ، فحينئذ تطلب الرئاسة على أهل الدنيا . ولقد رأيت من الناس عجبا حتى من يتزيا بالعلم ، إن رآني أمشي وحدي أنكر عليّ ، وإن رآني أزور فقيرا عظّم ذلك ، وان رآني أنبسط بتبسم نقصت من عينه ، فقلت : فوا عجبا هذه كانت طريق الرسول صلّى اللّه عليه وسلم والصحابة رضي اللّه عنهم . فصارت أحوال الخلق نواميس لإقامة الجاه لا جرم واللّه سقطتم من عين الحق ، فأسقطكم من عين الخلق . فكم من يتعب في تربية ناموس ولا يلتفت إليه ولا يحظى بمراده ، ويفوته المراد الأكبر . فالتفتوا اخواني إلى اصلاح النيات ، وترك التزين للخلق . ولتكن عمدتكم الاستقامة مع الحق ، فبذلك صعد السلف وسعدوا . وإياكم وما الناس عليه اليوم ، فإنه بالإضافة إلى يقظة السلف نوم . 179 - تأديب الولد واللّه ما ينفع تأديب الوالد « 1 » إذا لم يسبق اختيار الخالق لذلك الولد ، فإنه سبحانه إذا أراد شخصا رباه من طفولته وهداه إلى الصواب ، ودله على الرشاد ، وحبب إليه ما يصلح ، وصحّبه من يصلح ، وبغّض إليه ضد ذلك ، وقبّح عنده سفساف الأمور ، وعصمه من القبائح ، وأخذ بيده كلما عثر . وإذا أبغض شخصا تركه دائم التعثير ، متخبطا في كل حال ، ولم يخلق له همة لطلب المعالي ، وشغله بالرذائل عن الفضائل . وان قال لم خصصت بهذا ، قال الخطاب الذي لا يجاب « فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ « 2 » » . 180 - من الأدلة على اللّه من أكبر الدليل على وجود الخالق سبحانه أن هذه النفس الناطقة المميزة المحركة للبدن على مقتضى ارادتها ، والتي دبرت مصالحها ، وترقت إلى معرفة الأفلاك ، واكتسبت ما أمكن تحصيله من العلوم ، وشاهدت الصانع في المصنوع ،
--> ( 1 ) على الوالد أن يتبع الامر باتخاذ الأسباب ويسأل اللّه التوفيق ، فيؤدب ولده ما استطاع ويدعو اللّه أن يجعله من الصالحين . ( 2 ) هذه أمور لا مجال للعقل فيها ، والمطلوب فيها الوقوف عند النصوص ، ونصوص القرآن صريحة بأن العبد يدخل الجنة بعمله ، ويصلى النار بعمله ، وفي القرآن الآيات الكثيرة بهذا المعنى .