ابن الجوزي

228

صيد الخاطر

فلم يحجبها ستر وان تكاثف ، لا يعرف مع هذا ماهيتها « 1 » ولا كيفيتها ولا جوهرها ولا محلها بأشغالها ، ولا يفهم من أين جاءت ، ولا يدري أين تذهب ، ولا كيف تعلقت بهذا الجسد . وهذا كله يوجب عليها أن لها مدبرا وخالقا . وكفى بذلك دليلا عليه . إذ لو كانت وجدت بها لما خفيت أحوالها . فسبحانه سبحانه . 181 - تعلم الحديث خير من التنفل سبحان من منّ على الخلق بالعلماء الفقهاء الذين فهموا مقصود الأمر ومراد الشارع . فهم حفظة الشريعة فأحسن اللّه جزاءهم . وان الشيطان ليتجافاهم خوفا منهم ، فإنهم يقدرون على أذاه ، وهو لا يقدر على أذاهم . ولقد تلاعب بأهل الجهل والقليلي الفهم . وكان من أعجب تلاعبه أن حسّن لأقوام ترك العلم ثم لم يقنعوا بهذا حتى قدحوا في المتشاغلين به . وهذا ( لو فهموه ) قدح في الشريعة . فان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : بلغوا عني . وقد قال له ربه عز وجل : « بلّغ » فإذا لم يتشاغل بالعلم فكيف يبلغ الشريعة إلى الخلق ؟ وقد نقل مثل هذا عن كبار الزهاد ، كبشر الحافي ، فإنه قال لعباس بن عبد العظيم : لا تجالس أصحاب الحديث . وقال لإسحاق بن الضيف : انك صاحب حديث فأحبّ أن لا تعود اليّ ، ثم اعتذر فقال : انما الحديث فتنة الا لمن أراد اللّه به ، وإذا لم يعمل به فتركه أفضل . وهذا عجب منه ! من أين له ان طلابه لا يريدون اللّه به ، وانهم لا يعملون به ؟ أو ليس العمل به على ضربين : عمل بما يجب ، وذلك لا يسع أحدا تركه ، والثاني نافلة ولا يلزم . والتشاغل بالحديث أفضل من التنفل بالصوم والصلاة وما أظنه أراد الا طريقه في دوام الجوع والتهجد ، وذلك شيء لا يلام تاركه . فإن كان يريد أن لا يوغل في علوم الحديث فهذا خطأ لأن جميع أقسامه محمودة . أفترى لو ترك الناس طلب الحديث كان بشر يفتي ؟ فاللّه اللّه في الالتفات إلى قول من ليس بفقيه ، ولا يهولنك تعظيم اسمه فاللّه يعفو عنه .

--> ( 1 ) بل نحن لا نعرف ماهية الكهرباء والمغناطيس ، فإذا كان هذا مدى جهلنا بنفوسنا وبما حولنا ، فكيف نطمع أن نبحث بعقولنا في صفات خالق هذه النفوس ؟ وأن نبحث في القضاء والقدر ؟ وأن نقول « الصفة عين الموصوف أم لا » ؟ وهل هي « قائمة بالذات أم لا » ؟ وما اليد ؟ وما الاستواء ؟