ابن الجوزي

221

صيد الخاطر

فأما تدبير العلم فينبغي أن يحمل الصبي من حين يبلغ خمس سنين على التشاغل بالقرآن والفقه وسماع الحديث وليحصّل له المحفوظات أكثر من المسموعات ، لأن زمان الحفظ إلى خمس عشرة سنة ، فإذا بلغ تشتتت همته ، فليضرب تارة ، ويرشى أخرى ، ليبلغ ، وقد حصل محفوظات سنية . وأول ما ينبغي أن يكلف حفظ القرآن متقنا ، فإنه يثبت ويختلط باللحم والدم ، ثم مقدمة من النحو يعرف بها اللحن ، ثم الفقه مذهبا وخلافا « 1 » . وما أمكن بعد هذا من العلوم فحفظ حسن . وليحذر من عادات أصحاب الحديث ، فإنهم يفنون الزمان في سماع الاجزاء التي تتكرر فيها الأحاديث ، فيذهب العمر وما حصلوا فهم شيء ، فإذا بلغوا سنّا طلبوا جواز فتوى ، أو قراءة جزء من القرآن ، فعادوا القهقرى ، يحفظون بعد كبر السن فلا يحصل مقصودهم . فالحفظ في الصبا للمهم من العلم أصل عظيم . وقد رأينا كثيرا ممن تشاغل بالمسموعات ، وكتابة الاجزاء ، ورأى الحفظ صعبا ، فمال إلى الأسهل ، فمضى عمره في ذلك ، فلما احتاج إلى نفسه قعد يتحفظ على كبر فلم يحصل مقصوده . فاليقظة لفهم ما ذكرت وانظر في الاخلاص ، فما ينفع شيء دونه . 172 - الويل للمفرط المهمل اشتد الغلاء ببغداد في أول سنة خمس وسبعين « 2 » ، وكلما جاء الشعير زاد ، فتواقع الناس على اشتراء الطعام ، فاغتبط من يستعد كل سنة يزرع ما يقوته ، وفرح من بادر في أول النيسان إلى اشتراء الطعام فإنه يضاعف ثمنه ، وأخرج الفقراء ما في بيوتهم فرموه في سوق الهوان ، وبان ذل نفوس كانت عزيزة ؛ فقلت : يا نفس خذي من هذه الحال إشارة ، ليغبطن من له عمل صالح وقت الحاجة إليه ، وليفرحنّ من له جواب عند اقبال المسألة . وكل الويل على المفرّط الذي لا ينظر في عاقبته ، فتنبهي ، فقد نبهت ناسا الدنيا على أمر الآخرة ، وبادري موسم الزرع ما دامت

--> ( 1 ) علم الخلاف ، أي الفقه المقارن - كما يقولون اليوم - و « الخلاف » بين علماء المذاهب المتعددة ، و « الاختلاف » بين علماء المذهب الواحد . وأجود ما أعرف من كتب الخلاف « بداية المجتهد » لابن رشد ، و « المقارنة بين المذاهب » للشيخ شلتوت شيخ الأزهر اليوم . ( 2 ) أي خمس وسبعين وخمسمائة .