ابن الجوزي
213
صيد الخاطر
جزى اللّه المسير اليه خيرا * وان ترك المطايا كالمزاد « 1 » ولقد كنت في حلاوة طلبي العلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى من العسل ، لأجل ما أطلب وأرجو . كنت في زمان الصبا آخذ معي أرغفة يابسة فأخرج إلى طلب الحديث ، وأقعد على نهر عيسى « 2 » فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء ، فكلما أكلت لقمة شربت عليها ، وعين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم . فأثمر ذلك عندي أني عرفت بكثرة سماعي لحديث سير الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وأحواله وآدابه ، وأحوال أصحابه وتابعيهم ، فصرت في معرفة طريقه كابن أجود ، وأثمر ذلك عندي من المعاملة ما لا يدرك بالعلم ، حتى أنني أذكر في زمان الصبوة ، ووقت الغلمة والعزبة ، قدرتي على أشياء كانت النفس تتوق إليها توقان العطشان إلى الماء الزلال ، ولم يمنعني عنها الا ما أثمر عندي من العلم من خوف اللّه عز وجل . ولولا خطايا لا تخلو منها البشر ، لقد أخاف على نفسي العجب غير أنه عز وجل صانني وعلمني وأطلعني من أسرار العلم على معرفته ، وإيثار الخلوة به ، حتى أنه لو حضر معي معروف وبشر « 3 » لرأيتهما زحمة . ثم عاد فغمسني في التقصير والتفريط حتى رأيت أقل الناس خيرا مني . وتارة يوقظني لقيام الليل ولذة مناجاته ، وتارة يحرمني ذلك مع سلامة بدني . ولولا بشارة العلم بأن هذا نوع تهذيب وتأديب ، لخرجت اما إلى العجب عند العمل ، وإما إلى اليأس عند البطالة . ولكن رجائي من فضله قد عادل خوفي منه . وقد يغلب الرجاء بقوة أسبابه ، لأني رأيت أنه قد رباني منذ كنت طفلا ، فإن أبي مات وأنا لا أعقل به ، والأم لم تلتفت اليّ . فركز في طبعي حب العلم . وما زال يوقعني على المهم فالمهم . ويحملني إلى من يحملني على الأصوب حتى قوّم أمري . وكم قد قصدني عدو فصده عني . وإذ رأيته قد نصرني وبصرني ودافع عني ، ووهب لي ، قوي رجائي في المستقبل بما قد رأيت في الماضي .
--> ( 1 ) جمع مزادة ، أي تركها جلدا على عظم . ( 2 ) من ضواحي بغداد . ( 3 ) معروف الكرخي وبشر الحافي .