ابن الجوزي

214

صيد الخاطر

ولقد تاب على يدي في مجالس الذكر أكثر من مائتي ألف وأسلم على يدي أكثر من مائتي نفس ، وكم سالت عين متجبر بوعظي لم تكن تسيل . ويحق لمن تلمح هذا الانعام أن يرجو التمام . وربما لاحت أسباب الخوف بنظري إلى تقصيري وزللي . ولقد جلست يوما فرأيت حولي أكثر من عشرة آلاف ما فيهم إلا من قد رق قلبه ، أو دمعت عينه . فقلت لنفسي : كيف بك إن نجوا وهلكت ؟ فصحت بلسان وجدي : إلهي وسيدي إن قضيت عليّ بالعذاب غدا فلا تعلمهم بعذابي صيانة لكرمك لا لأجلي ، لئلا يقولوا عذب من دلّ عليه . إلهي قد قيل لنبيك صلّى اللّه عليه وسلم : اقتل ابن أبيّ المنافق فقال : لا يتحدث الناس ان محمدا يقتل أصحابه . إلهي فاحفظ حسن عقائدهم فيّ بكرمك أن تعلمهم بعذاب الدليل عليك . حاشاك واللّه يا رب من تكدير الصافي . لا تبر عودا أنت ريّشته * حاشا لباني الجود أن ينقضا لا تعطش الزرع الذي نبته * بصوب إنعامك قد روّضا 168 - العاشق في عذاب من الأمور التي تخفى على العاقل أن يرى أنه متى لم يكن عنده امرأة أو جارية يهواها هوى شديدا أنه لا يلتذ في الدنيا ، فإذا صور محبوبا مملوكا تخايل لذة عظيمة ، وإذا كان عنده من لا يميل اليه اعتقد نفسه محروما ، وهذا أمر شديد الخفاء ، فينبغي أن يوضح . وهو أن المملوك مملوك . ومتى قدر الانسان على ما يشتهيه ملّه ومال إلى غيره ، تارة لبيان عيوبه التي تكشفها المخالطة فإنه قد قال الحكماء : العشق العمى عن عيوب المحبوب . وتارة لمكان القدرة عليه ، والنفس لا تزال تتطلع إلى ما لا تقدر عليه . ثم لو قدرنا دوام المحبة مع القدرة فإنها قد تكون ، ولكن ناقصة بمقدار القدرة ، وانما يقويها تجنّي المحبوب . فيكون تجنّيه كالامتناع ، أو امتناعه من الموافقة ، فإذا صفا فلا بد من أكدار ، منها الحذر عليه ، ومنها قلة ميله إلى هذا العاشق ، وربما تكلف القرب منه بعلم الانسان بقلة ميل محبوبه اليه ينغص