ابن الجوزي

212

صيد الخاطر

ومتى رزق العالم الغنى عن الناس والخلوة ، فإن كان له فهم يجلب التصانيف فقد تكاملت لذته ، وإن رزق فهما يرتقي إلى معاملة الحق ومناجاته فقد تعجل دخول الجنة قبل الممات « 1 » . نسأل اللّه عز وجل همة عالية تسمو إلى الكمال ، وتوفيقا لصالح الاعمال ، فالسالكون طريق الحق أفراد . 167 - ثمرة العلم تأملت أحوال الناس في حالة علو شأنهم فرأيت أكثر الخلق تبين خسارتهم حينئذ ، فمنهم من بالغ في المعاصي من الشباب ، ومنهم من فرط في اكتساب العلم ، ومنهم من أكثر من الاستمتاع باللذات حينئذ . فكلهم نادم في حالة الكبر حين فوات الاستدراك لذنوب سلفت ، أو قوى ضعفت ، أو فضيلة فاتت . فيمضي زمان الكبر في حسرات ، فإن كانت للشيخ إفاقة من ذنوب قد سلفت قال : وا أسفا على ما جنيت . وان لم يكن له إفاقة صار متأسفا على فوات ما كان يلتذ به . فأما من أنفق عصر الشباب في العلم ، فإنه في زمن الشيخوخة يحمد جني ما غرس ، ويلتذ بتصنيف ما جمع ، ولا يرى ما يفقد من لذات البدن شيئا « 2 » بالإضافة إلى ما يناله من لذات العلم ، هذا مع وجود لذاته في الطلب الذي كان تأمل به ادراك المطلوب . وربما كانت تلك الأعمال أطيب مما نيل منها كما قال الشاعر : أهتز عند تمني وصلها طربا * ورب أمنية أحلى من الظفر ولقد تأملت نفسي بالإضافة إلى عشيرتي الذين أنفقوا أعمارهم في اكتساب الدنيا ، وأنفقت زمن الصبوة والشباب في طلب العلم ، فرأيتني لم يفتني مما نالوه الا ما لو حصل لي ندمت عليه ثم تأملت حالي فإذا عيشي في الدنيا أجود من عيشهم ، وجاهي بين الناس أعلى من جاههم ، وما نلته من معرفة العلم لا يقاوم فقال لي إبليس : ونسيت تعبك وسهرك ؟ فقلت له : أيها الجاهل ، تقطيع الأيدي لا وقع له عند رؤية يوسف ، وما طالت طريق أدت إلى صديق :

--> ( 1 ) لان لذة المناجاة في الخلوات أعظم اللذات وكأنّها من نعيم الجنات . ( 2 ) شيئا مفعول ثان « ليرى » .