ابن الجوزي

211

صيد الخاطر

ولا تسمع من جاهل يرى مثل هذه الأشياء رياء ، انما هي صيانة للعلم . وبيان هذا أنه لو خرج العالم إلى الناس مكشوف الرأس « 1 » أو في يده كسرة يأكلها قل عندهم وإن كان هذا مباحا ، فيصير بمثابة تخليط الطبيب الآمر بالحمية ، فلا ينبغي للعالم أن ينبسط عند العوام حفظا لهم ، ومن أراد مباحا فليستتر به عنهم . وهذا القدر الذي لاحظه أبو عبيدة حين رأى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما قد قدم الشام راكبا على حمار ورجلاه من جانب ، فقال : يا أمير المؤمنين يتلقاك عظماء الناس . فما أحسن ما لاحظ ! الا أن عمر رضي اللّه عنه أراد تأديب أبي عبيدة بحفظ الأصل فقال : إن اللّه أعزكم بالاسلام فمهما طلبتم العزة في غيره أذلكم . والمعنى ينبغي أن يكون طلبكم العز بالدين لا بصور الافعال ، وان كانت الصور تلاحظ ، فإن الانسان يخلو في بيته عريانا « 2 » ، فإذا خرج إلى الناس لبس ثوبين وعمامة ورداء ، ومثل هذا لا يكون تصنعا ولا ينسب إلى كبر . وقد كان مالك بن أنس يغتسل ويتطيب ويقعد للحديث . ولا تلتفت يا هذا إلى ما ترى من بذل العلماء على أبواب السلاطين ، فان العزلة أصون للعالم والعلم ، وما يخسره العلماء في ذلك أضعاف ما يربحونه . وقد كان سيد الفقهاء سعيد بن المسيب لا يغشى الولاة ، وعن قول هذا سكتوا عنه « 3 » . وهذا فعل الحازم . فان أردت اللذة والراحة فعليك أيها العالم بعقر بيتك ، وكن معتزلا عن أهلك يطب لك عيشك ، واجعل للقاء الأهل وقتا ، فإذا عرفوه تصنعوا للقائك ، فكانت المعاشرة بذلك أجود . وليكن لك بيت في بيتك تخلو فيه وتحادث سطور كتبك وتجري في حلبات فكرك ، واحترس من لقاء الخلق وخصوصا العوام ، واجتهد في كسب يعفك عن الطمع . فهذه نهاية لذة العالم في الدنيا . وقد قيل لابن المبارك : ما لك لا تجالسنا ؟ فقال : أنا أذهب فأجالس الصحابة والتابعين . وأشار بذلك إلى أنه ينظر إلى كتبه .

--> ( 1 ) انما هي عادات ، ولقد كان عامة علماء الأندلس « الا القضاة منهم » يكشفون رؤوسهم . ( 2 ) كلمة عريان غير ممنوعة من الصرف . ( 3 ) ولعل في العبارة تحريفا من النساخ .