ابن الجوزي
195
صيد الخاطر
نهى اللّه عنه ، وفي الحديث الصحيح : أن أبا بكر رضي اللّه عنه لما حلب له الراعي في طريق الهجرة صب الماء على القدح حتى برد أسفله ، ثم سقى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وفرش له في ظل صخرة ، وكان يستعذب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الماء ، وقال : « إن كان عندكم ماء بات في شن وإلا كرعنا » . ولو فهم داود رحمه اللّه ، أن إصلاح علف الناقة متعين لقطع المنزل لم يفعل هذا . ألا ترى إلى سفيان الثوري فإنه كان شديد المعرفة والخوف ، وكان يأكل اللذيذ ويقول : إن الدابة إذا لم يحسن إليها لم تعمل . ولعل بعض من يسمع كلامي هذا يقول : هذا ميل على الزهاد ، فأقول : كن مع العلماء وانظر إلى طريق الحسن ، وسفيان ، ومالك ، وأبي حنيفة ، وأحمد ، والشافعي ، وهؤلاء أصول الاسلام ، ولا تقلد في دينك من قل علمه وإن قوي زهده ، واحمل أمره على أنه كان يطيق هذا ولا تقتد بهم فيما لا تطيقه ، فليس أمرنا الينا ، والنفس وديعة عندنا ، فان أنكرت ما شرحته فأنت ملحق بالقوم الذين أنكرت عليهم . هذا رمز إلى المقصود والشرح يطول . 153 - عجز الخلق عن فهم حكمة الخالق الواجب على العاقل أن يتبع الدليل ثم لا ينظر فيما يجني « 1 » من مكروه . مثاله أنه قد ثبت بالدليل القاطع حكمة الخالق عز وجل وملكه وتدبيره ، فإذا رأى الانسان عالما محروما ، وجاهلا مرزوقا ، أوجب عليه الدليل المثبت حكمة الخالق التسليم اليه ، ونسبة العجز عن معرفة الحكمة إلى نفسه ، فان أقواما لم يفعلوا ذلك جهلا منهم . أفتراهم بما ذا حكموا بفساد هذا التدبير ؟ أليس بمقتضى عقولهم ؟ أو ما عقولهم من جملة مواهبه ؟ فكيف يحكم على حكمته وتدبيره ببعض مخلوقاته التي هي بالإضافة اليه أنقص من كل شيء ؟ ولقد بلغني عن اللعين ابن الراوندي « 2 » انه كان جالسا على الجسر « 3 » وفي يده رغيف يأكله ، فجازت خيل
--> ( 1 ) أي فيما ينتج عنه . ( 2 ) أحمد بن يحيى متفلسف زنديق مات ببغداد سنة 245 ه وهو أستاذ ملاحدة عصرنا وامامهم ، وأستاذ الجميع إبليس . ( 3 ) جسر بغداد .