ابن الجوزي

196

صيد الخاطر

وأموال فقال : لمن هذه ؟ فقيل : لفلان الخادم . فجازت خيل وأموال . فقال : لمن هذه ؟ فقيل : لفلان الخادم . فلما مر الخادم رأى شخصا محتقرا ، فرمى الرغيف إلى ناحيته وقال : وهذا لفلان . ما هذه القسمة ؟ ولو فكر المدبر لبانت له وجوه أقلها جهله بمن يدعي معرفته وقلة تعظيمه ، وذلك يوجب عليه أشد مما كان فيه من تضييق العيش ، ولكنه ميراث إبليس حيث اعتقد سوء التدبير في تفضيل آدم عليه السلام . فالعجب من تلميذ يتمعلم « 1 » على أستاذه ، ومن مملوك يتيه على سيده . ومما ينبغي أن يتبع فيه الدليل ولا يلتفت إلى ما جنت الحال ، ان العلم أشرف مكتسب ، وقد رأى جماعة من الجهلة قلة حظوظ العلماء من الدنيا فأزروا على العلم وقالوا لا فائدة فيه ، وذلك لجهلهم بمقدار العلم ، فان تابع الدليل لا يبالي ما جنى ، وإنما يبين الاختبار بفقد الغرض . ولو لم يكن من الدليل على صدق نبينا صلى اللّه عليه وسلم إلا إعراضه عن الدنيا وتضييق العيش عليه ، ثم لم يخلف شيئا وحرم أهله الميراث ، فدل على صدق طلبه لمطلوب آخر . وربما رأى الجاهل قوما من العلماء يفعلون خطيئة فيزري على العلم ويدعيه ناقصا وهذا غلط كبير « 2 » . فليتق اللّه العاقل وليعمل بمقتضى العقل فيما يأمر به من طاعة اللّه تعالى والعمل بالعلم ، وليعلم ان الابتلاء في الصبر على فوات المطلوبات ، وليلزم اتباع الدليل وإن جنى مكروها واللّه الموفق . 154 - موافقة هوى النفس ومخالفته قرأت سورة يوسف عليه السلام ، فتعجبت من مدحه عليه السلام على صبره وشرح قصته للناس ورفع قدره بترك ما ترك ، فتأملت خبيئة الأمر فإذا هي مخالفة للهوى المكروه ، فقلت : وا عجبا لو وافق هواه من كان يكون ؟ ولما قد خالفه لقد صار أمرا عظيما يضرب الأمثال بصبره ، ويفتخر على الخلق باجتهاده . وكل ذلك

--> ( 1 ) وفي الفصيح : يتعالم . ( 2 ) وهو كثير في أيامنا . ينسبون النقص إلى الدين ، إذا رأوا في بعض المشايخ نقصا ، وانما النقص ممن نقص ، والدين بريء منه .