ابن الجوزي
194
صيد الخاطر
دليل ، وثمرة العلم فهم الخطاب ، وتلمح المقصود من الامر ، ومن فهم المقصود وعمل على الدليل كان كالباني على أساس وثيق . واني رأيت كثيرا من الناس لا يعملون على دليل ، بل كيف اتفق ، وربما كان دليلهم العادات ، وهذا أقبح شيء يكون . ثم رأيت خلقا كثيرا لا يتبعون الدليل بطريق اثباته كاليهود والنصارى . فإنهم يقلدون الآباء ولا ينظرون فيما جاء من الشرائع هل صحيح أم لا ، وكذلك يثبتون الإله ولا يعرفون ما يجوز عليه مما لا يجوز ، فينسبون اليه الولد ، ويمنعون جواز تغييره ما شرع . وهؤلاء لم ينظروا حق النظر لا في اثبات الصانع وما يجوز عليه ، ولا في الدليل على صحة النبوات ، فتقع أعمالهم ضائعة كالباني على رمل . ومن هذا القبيل في المعنى قوم يتعبدون ويتزهدون وينصبون أبدانهم في العلم بأحاديث باطلة ، ولا يسألون عنها من يعلم . ومن الناس من يثبت الدليل ولا يفهم المقصود الذي دل عليه الدليل « 1 » . ومن هذا الجنس قوم سمعوا ذم الدنيا فتزهدوا ، وما فهموا المقصود ، فظنوا أن الدنيا تذم لذاتها وان النفس تجب عداوتها ، فحملوا على أنفسهم فوق ما يطاق ، وعذبوها بكل نوع ، ومنعوها حظوظها ، جاهلين بقوله عليه الصلاة والسلام : « إن لنفسك عليك حقا » . وفيهم من أدته الحال إلى ترك الفرائض ، ونحول الجسم ، وضعف القوى ، وكل ذلك لضعف الفهم للمقصود والتلمح للمراد . كما روي عن داود الطائي « 2 » انه كان يترك ماء في دنّ تحت الأرض فيشرب منه وهو شديد الحر ، وقال لسفيان : إذا كنت تأكل اللذيذ الطيب ، وتشرب الماء البارد المبرد ، فمتى تحب الموت والقدوم على اللّه ؟ وهذا جهل بالمقصود ، فان شرب الماء الحار يورث أمراضا في البدن ولا يحصل به الري ، وما أمرنا بتعذيب أنفسنا في الصورة ، بل بخلاف ما تدعو اليه مما
--> ( 1 ) كمن يعرف طرق الأحاديث ودرجاتها ولم يستكمل أسباب الاجتهاد والاستنباط فيدع ما عليه الفقهاء ويأخذ بما فهم من الحديث وان خالف فيه العلماء . ( 2 ) داود بن نصير ولد في الكوفة ورحل إلى بغداد فأقام فيها إلى أن مات سنة 160 أخذ عن أبي حنيفة وغيره ثم اعتزل ولزم العبادة .