ابن الجوزي
193
صيد الخاطر
150 - لو تأمل العاصي عظمة الخالق ما عصاه تأملت وقوع المعاصي من العصاة فوجدتهم لا يقصدون العصيان وإنما يقصدون موافقة هواهم ، فتبع العصيان تبعا ، فنظرت في سبب ذلك الاقدام مع العلم بوقوع المخالفة فإذا به ملاحظتهم لكرم الخلق ، وفضله الزاخر ، ولو أنهم تأملوا عظمته وهيبته ما انبسطت كف بمخالفته ، فإنه ينبغي واللّه أن يحذر ممن أقل فعله تعميم الخلق بالموت ، حتى القاء الحيوان البهيم للذبح ، وتعذيب الأطفال بالمرض ، وفقر العالم ، وغنى الجاهل ، فليعرض المقدم على الذنوب على نفسه الحذر ممن هذه صفته ، فقد قال اللّه تعالى « وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ » * وملاحظة أسباب الخوف أدنى إلى الأمن من ملاحظة أسباب الرجاء ، فالخائف آخذ بالحزم ، والراجي متعلق بحبل طمع ، وقد يخلف الظن . 151 - على العالم أن لا يذل لأرباب الدنيا رأيت عموم أرباب الأموال يستخدمون العلماء ، يستذلونهم بشيء يسير يعطونهم من زكاة أموالهم ، فإن كان لأحدهم ختمة قال : فلان ما حضر ، وان مرض قال : فلان ما تردد ، وكل منّته عليه شيء نزر ، يجب تسليمه إلى مثله ، وقد رضي العلماء بالذل في ذلك لموضع الضرورة فرأيت أن هذا جهل من العلماء بما يجب عليهم من صيانة العلم . ودواؤه من جهتين : إحداهما القناعة باليسير ، كما قيل ، من رضي بالخل والبقل لم يستعبده أحد . والثاني صرف بعض الزمان المصروف في خدمة العلم إلى كسب الدنيا ، فإنه يكون سببا لإعزاز العلم ، وذلك أفضل من صرف جميع الزمان في طلب العلم ، مع احتمال هذا الذل . ومن تأمل ما تأملته وكان له أنفة ، قدر قوته ، واحتفظ بما معه ، أو سعى في مكتسب يكفه ، ومن لم يأنف مثل هذه الأشياء لم يحظ من العلم إلا بصورته دون معناه . 152 - افهم مقصود أوامر اللّه بعقلك واتبع الدليل مدار الأمر كله على العقل ، فإنه إذا تم العقل لم يعمل صاحبه إلا على أقوى