ابن الجوزي
192
صيد الخاطر
149 - على العالم طلب الغنى حضرنا بعض أغذية أرباب الأموال ، فرأيت العلماء أذل الناس عندهم ، فالعلماء يتواضعون لهم ويذلون لموضع طمعهم فيهم وهم لا يحفلون بهم لما يعلمونه من احتياجهم إليهم ، فرأيت هذا عيبا في الفريقين ، أما في أهل الدنيا فوجه العيب أنهم كانوا ينبغي لهم تعظيم العلم ، ولكن لجهلهم بقدره فاتهم ، وآثروا عليه كسب الأموال ، فلا ينبغي أن يطلب منهم تعظيم ما لا يعرفون ولا يعلمون قدره ، وإنما أعود باللوم على العلماء وأقول : ينبغي لكم أن تصونوا أنفسكم التي شرفت بالعلم عن الذل للأنذال ، وان كنتم في غنى عنهم كان الذل لهم والطلب منهم حراما عليكم ، وإن كنتم في كفاف فلم لم تؤثروا التنزه عن الذل بالعفة عن الحطام الفاني الحاصل بالذلة ، إلا أنه يتخيل لي من هذا الأمر ، اني علمت قلة صبر النفس على الكفاف والعزوف عن الفضول ، فان وجد ذلك منها في وقت لم يوجد على الدوام ، فالأولى للعالم أن يجتهد في طلب الغنى ، ويبالغ في الكسب ، وان ضاع بذلك عليه كثير من زمان طلب العلم ، فإنه يصون بعرضه عرضه . وقد كان سعيد بن المسيب يتجر في الزيت وخلف مالا ، وخلف سفيان الثوري مالا وقال لولاك لتمندلوابي « 1 » ، وقد سبق في كتابي هذا في بعض الفصول شرف المال ، ومن كان من الصحابة والعلماء يقتنيه ، والسر في فعلهم ذلك ، وحثّي طالبي العلم على ذلك ما بينته من أن النفس لا تثبت على التعفف ، ولا تصبر على دوام التزهد ، وكم قد رأينا من شخص قويت عزيمته على طلب الآخرة فأخرج ما في يديه ، ثم ضعفت فعاد يكتسب من أقبح وجه . فالأولى ادخار المال والاستغناء عن الناس ، فيخرج الطمع من القلب ، ويصفو نشر العلم من شائبة ميل . ومن تأمل أخبار الأخيار من الأحبار وجدهم على هذه الطريقة ، وإنما سلك طريق الترفه عن الكسب من لم يؤثر عنده بذل الدين والوجه ، فطلب الراحة ونسي أنها في المعنى عناء ، كما فعل جماعة من جهال المتصوفة في اخراج ما في أيديهم وادعاء التوكل ، وما علموا أن الكسب لا ينافي التوكل ، وإنما طلبوا طريق الراحة وجعلوا التعرض للناس كسبا ، وهذه طريقة مركبة من شيئين : أحدهما قلة الأنفة على العرض ، الثاني قلة العلم .
--> ( 1 ) أي اتخذوني ممسحة « منديلا » أو لعل لها في عامية ذلك الزمان معنى آخر يريده المؤلف .