ابن الجوزي
191
صيد الخاطر
فانزعجت النفس وقلقت ، فصحت بها : ويلك ، تأملي أمرك ، أمملوكة أنت أم مالكة ؟ أمدبّرة أنت أم مدبّرة ؟ أما علمت أن الدنيا دار ابتلاء واختبار ، فإذا طلبت أغراضك ولم تصبري على ما ينافي مرادك فأين الابتلاء ؟ وهل الابتلاء إلا الإعراض وعكس المقاصد ، فافهمي معنى التكليف وقد هان عليك ما عز ، وسهل ما استصعب ، فلما تدبرت ما قلته سكنت بعض السكون . فقلت لها : وعندي جواب ثان وهو أنك تقتضين الحق « 1 » بأغراضك ، ولا تقتضين نفسك بالواجب له ، وهذا عين الجهل ، وإنما كان ينبغي أن يكون الأمر بالعكس لأنك مملوكة والمملوك العاقل يطالب نفسه بأداء حق المالك ، ويعلم أنه لا يجب على المالك تبليغه ما يهوى ، فسكنت أكثر من ذلك السكون . فقلت لها : وعندي جواب ثالث ، وهو أنك قد استبطأت الإجابة وأنت سددت طرقها بالمعاصي ، فلو قد فتحت الطريق أسرعت ، كأنك ما علمت أن سبب الراحة التقوى . أما ما سمعت قوله تعالى « وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ » و « يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً » أو ما فهمت أن العكس بالعكس ؟ آه من سكر غفلة صار أقوى من كل سكر في وجه مياه المراد يمنعها من الوصول إلى زرع الأماني ، فعرفت النفس أن هذا حق فاطمأنت . فقلت : وعندي جواب رابع وهو أنك تطلبين ما لا تعلمين عاقبته وربما كان فيه ضررك ، فمثلك كمثل طفل محموم يطلب الحلوى ، والمدبر لك أعلم بالمصالح ، كيف وقد قال تعالى « وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ » فلما بان الصواب للنفس في هذه الأجوبة ، زادت طمأنينتها . فقلت لها : وعندي جواب خامس ، وهو أن هذا المطلوب ينقص من أجرك ، ويحط من مرتبتك ، فمنع الحق « 2 » لك ما هذا سبيله عطاء منه لك ، ولو أنك طلبت ما يصلح آخرتك كان أولى لك ، فأولى لك أن تفهمي ما قد شرحت فقالت : لقد سرحت في رياض ما شرحت ، فهمت « 3 » إذ فهمت .
--> ( 1 ) أي تطالبين اللّه . ( 2 ) أي منع اللّه . ( 3 ) من هام يهيم .